البلد

100 يوم تروي حكاية زراعة السمسم وموروثها في منطقة جازان

F11131170
F11131172
F11131173
F11131174
F11131176
F11131181
F11131183
F11131187


تبدأ حكاية السمسم في جازان بحبات صغيرة تنثرها الأيدي في الأرض، وتكبر معها فرحة الموسم من اخضرار الحقول إلى اصفرار النبات واستعداده للحصاد، ثم إلى حبات تصفى وزيت يصل إلى المائدة، وعلى امتداد هذه الرحلة، يحيي المزارعون دورة زراعية سنوية تستغرق نحو 100 يوم، تنتقل معارفها من جيل إلى جيل، وتتجسد في مواعيد الزراعة ومهارة العمل، لتصل بين الحقل والبيت.

ومن 11 أغسطس إلى 20 سبتمبر، ينثر المزارعون بذور السمسم في الحقول، لتبدأ مرحلة تتعاقب فيها أعمال الرعاية حتى يحين الحصاد بعد نحو 100 يوم، وعند نضج النبات، تخلع الشجيرات كاملة وتجمع في أكوام مخروطية، تترك نحو 20 يوما حتى تجف، وتتطلب هذه المرحلة خبرة في تقدير موعد الخلع ومدة التجفيف، وتهيئة النبات لاستخراج حبوبه من كبسولاته.

وبعد جفافها، تمد الشجيرات على غطاء مفروش على الأرض، ثم تضرب بالعصي لتتساقط الحبوب من كبسولاتها، وتلي ذلك عملية الغربلة، إذ تحرك الحبوب في الغربال لفصلها عن بقايا النبات، قبل جمعها وتهيئتها للعصر، وتكشف هذه الخطوات عن سلسلة عمل متوارثة، تبدأ ببذر الحبوب وتمتد إلى الحصاد والتجفيف والدق والغربلة؛ لكل مرحلة توقيتها، ولكل خطوة خبرة صقلتها مواسم الحقول.

ومن حبوب السمسم يستخرج الزيت المعروف محليا بالسليط، فتروي المعصرة التقليدية جانبا من طريقة استخلاصه قديما؛ إذ توضع البذور في وعاء خشبي، وتدار بينها أداة «القطب» بحركة دائرية، كان الجمل يتولى تحريكها، وحلت الآلات اليوم محل الجمل في إدارة المعصرة، فيما تظل مراحل ضغط الحبوب واستخراج الزيت وتصفيته، وصولا إلى المائدة، امتدادا لمعرفة زراعية توارثتها الأجيال.

ويحضر زيت السمسم في المطبخ المحلي في جازان مكونا في إعداد أطباق السمك والإيدامات وغيرها، ضمن وصفات توضح كيف وظفت الأسر محصولا محليا في طعامها، وكيف تناقلت طرائق استخدامه مع الخبرة اليومية، وتكشف هذه الوصفات عن معارف الطهي في تفاصيلها؛ من اختيار المكونات إلى أساليب إعدادها وتقديمها، كما تحفظ أسماء الأطباق وارتباطها بالمواسم والمنتجات المحلية، لتبقى المائدة سجلا حيا لثقافة الطعام في جازان.

ويستحضر المزارع «حسن حبيبي» تفاصيل هذه المراحل بوصفها معارف تحفظ إيقاع الموسم، وتمتد من الحقل إلى أدوات إعداد المحصول، مبرزا ثراء خبرة الأهالي الزراعية التي تشكلت من معرفة مواعيد البذر والحصاد والتجفيف، ومن مهارات اكتسبوها بالممارسة؛ فارتبطت علاقتهم بالأرض بمتابعة مراحل نمو المحصول والعناية به، وتناقلوا طرائق العمل جيلا بعد جيل.

ويرى المزارع «حبيبي» أن تدوين هذه التفاصيل يحفظ جانبا من ذاكرة الزراعة في جازان؛ فلكل موسم موعد، ولكل مرحلة اسم وأداة، ومن تتابعها تتشكل معرفة محلية صاغتها الأيدي عبر السنين، مضيفا أن توثيق مراحل زراعة السمسم وإعداده يعرف الأجيال بما اكتسبه المزارعون من خبرة في التعامل مع الأرض والمحصول، ويحفظ طرائق عمل توارثوها جيلا بعد جيل، لتبقى حاضرة في الذاكرة ومتصلة بالممارسة.

وبين بذرة تنثر في الأرض وحبات تصفى وتعصر، تتجدد حكاية السمسم كل عام، حاضرة في عمل المزارعين ومذاق المائدة وذاكرة المكان.