«نادك» عندما يتحول الأمن الغذائي إلى محرك للتنمية الاقتصادية
السبت، ٧ نوفمبر ٢٠٢٦ليست كل الاستثمارات الكبرى مجرد أرقام تضاف إلى ميزانيات الشركات، فبعضها يحمل في طياته فرصا اقتصادية وتنموية تتجاوز حدود الشركة المستثمرة، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد الوطني والمجتمع وسوق العمل، وهذا ما يجعل إعلان الشركة الوطنية للتنمية الزراعية «نادك» الأسبوع الماضي عن استثمارات رأسمالية تقدر بنحو 5 مليارات ريال خلال الفترة من 2027م إلى 2031م حدثا يستحق الاحتفاء والقراءة من منظور اقتصادي أوسع.
ما يلفت الانتباه في هذه الخطة ليس حجم المبلغ فحسب، بل طبيعة القطاعات التي ستتجه إليها الاستثمارات، والتي تشمل الألبان والعصائر والتصنيع الغذائي، واللحوم الحمراء والبروتين، إضافة إلى الزراعة المتقدمة والبيوت المحمية والمحاصيل ذات القيمة المضافة. وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية؛ فالمملكة لا تستثمر في إنتاج الغذاء باعتباره سلعة استهلاكية فقط، وإنما باعتباره قطاعا اقتصاديا قادرا على توليد فرص العمل، وتحريك الصناعات وجذب الاستثمارات وتعزيز الناتج المحلي، وتحريك بقية مفاصل الاقتصاد الوطني.
من أبرز المكاسب المنتظرة لهذه الاستثمارات قدرتها على خلق منظومة واسعة من فرص العمل، فالتوسع في مزارع الإنتاج الحيواني ومشروعات اللحوم والمسالخ ومصانع الأغذية والبيوت الزراعية الحديثة يحتاج إلى كوادر وطنية في الهندسة الزراعية، والطب البيطري والإنتاج والتشغيل ومراقبة الجودة وسلاسل الإمداد والتسويق والإدارة والتقنيات الزراعية.
ولا تتوقف الفرص عند الوظائف المباشرة داخل مشروعات الشركة؛ فهناك وظائف غير مباشرة ستنشأ لدى شركات النقل المبرد، وموردي الأعلاف ومصانع العبوات والتغليف، وشركات الصيانة والتشغيل والمختبرات والخدمات اللوجستية والتوزيع. كما أن توسع هذه المنظومة يفتح المجال أمام رواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة للدخول كموردين ومقدمي خدمات، وهو ما يعني أن أثر كل ريال يستثمر قد يمتد إلى قطاعات اقتصادية متعددة.
من الناحية الاقتصادية، تمثل هذه المشروعات فرصة لتعميق المحتوى المحلي، وتقليل الاعتماد على استيراد بعض المنتجات الغذائية ومدخلات الإنتاج، وتطوير الصناعات التحويلية وزيادة القيمة المضافة داخل المملكة.
كما أن التوسع في التصنيع والتعبئة والتجهيز والتوزيع يتيح الاستفادة من المنتج المحلي في مراحل متعددة بدلا من الاكتفاء بإنتاج المواد الأولية، وهذا تحديدا ما تحتاج إليه الاقتصادات الطموحة، وهو الانتقال من الإنتاج التقليدي إلى منظومات صناعية متكاملة تحقق عوائد أعلى وتوفر فرصا أكبر.
وتكتسب الاستثمارات الزراعية الحديثة أهمية إضافية من خلال تحسين كفاءة استخدام المياه والموارد، ورفع إنتاجية المساحات الزراعية والاستفادة من التقنيات المتقدمة في الإنتاج. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن مستهدفات رؤية المملكة 2030، والتي تضع تنويع الاقتصاد وتمكين القطاع الخاص وتوطين الصناعات ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية ضمن أولوياتها. كما أن تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الغذاء وتطوير سلاسل الإمداد تمنح المملكة قدرة أكبر على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية واضطرابات الإمدادات.
وهناك نقطة مهمة، وهي أن الاستثمار في الغذاء يجمع بين هدفين متكاملين؛ تحقيق عوائد تجارية مستدامة للشركات، وتعزيز المصلحة الاقتصادية والاستراتيجية للوطن.
والقيمة الحقيقية لإعلان نادك هذا، ستظهر في حجم المشروعات التي ستنفذ، والوظائف التي ستوفرها والموردين المحليين الذين ستنشط أعمالهم، والتقنيات التي ستنقلها والقيمة المضافة التي ستحتفظ بها داخل الاقتصاد السعودي.
إعلان لاستثمارات بخمسة مليارات ريال في قطاع الغذاء والتي تعتبر فرصة لتوسيع قاعدة الإنتاج، وتحريك عجلة الاقتصاد وبناء وظائف ومهن جديدة وتعزيز أمن المملكة الغذائي، يعتبر أيضا أمرا مهما ومن أهم عوامل الاستدامة.