زهير فايز طيب الأثر
السبت، ٧ نوفمبر ٢٠٢٦من أصدق ما يكشف أثر الإنسان في الدنيا ما يجري على الألسنة حين يرحل عنها؛ إذ تذكر محاسنه، وتستعاد مواقفه، فتتكون من شهاداتهم صور تتجاوز ما عرفه كل واحد منهم منفردا؛ وقد استوقفتني هذه المعاني مع رحيل الدكتور المهندس زهير حامد فايز، مساء يوم الأربعاء قبل الماضي، وما توالى بعده من كلمات الوفاء والدعاء؛ وليس يسيرا مع اختلاف الناس أن تتلاقى كلماتهم على ذكر إنسان بخير، إلا إن كان مستحقا لذلك.
الدكتور زهير له في مجال العمارة والهندسة في المملكة مسيرة وريادة يعرفهما أهل الاختصاص، وهم الأقدر على تفصيل منجزاته؛ وللمقربين منه من مواقف حياته ما هم أولى بروايته، والذي يعنيني هنا ما أثاره رحيله من تأمل في قيمة العمر، وحسن العمل، وما يبقى في النفوس؛ وشخصيا كتبت بمجرد العلم بوفاته كلمات استحضرت فيها قوله صلى الله عليه وسلم «خيركم من طال عمره وحسن عمله»، وأن الفقيد رحل عن سبعة وثمانين عاما، أمضى منها عقودا في العمل والعطاء، وكان صاحب اهتمام بالتربية والتعليم.. ومع طول عمره كان خبر وفاته مفاجئا لمحبيه، فقد وافاه الأجل بعد وصوله لمنتزهات «الشفا» بمحافظة الطائف لقضاء إجازة خاصة مع حرمه، ولم يكن يعاني من مرض، بل كان في كامل حيويته ونشاطه المعروف عنه، رحمه الله.
لطيب الغرس في أسرة الفقيد جذور؛ فقد نشأ في أسرة كريمة أقامت في ينبع قبل انتقالها إلى جدة، وارتبط تاريخها بوالده العم حامد، ابن زعيم الملاحة البحرية الشيخ حسين فايز، رحمهما الله، الذي طلب من ابنه حامد التفرغ لمساعدته والوقوف بجانبه، فترك رغباته برا وامتثالا لأوامره؛ وهي معان يحسن استذكارها ونحن نتأمل امتداد الأثر الطيب للراحل الذي وإن لم تكن بيني وبينه مخالطة وثيقة، لكنني من خلال معرفتي بأبنائه، لمست فيهم أثر التربية الحسنة؛ ومن جميل ما حدثوني به أن والدهم ترك لهم حرية اختيار تخصصاتهم وأعمالهم، وكان يؤكد لهم أن الأهم عنده أن يكونوا مهتمين بتثقيف أنفسهم، وهي لفتة تربوية تدل على احترام الميول، والعناية ببناء الوعي.
من أهم وجوه عطاء الدكتور زهير، التي لا تذكر كثيرا، دوره في تصميم مركز الملك فهد الثقافي الإسلامي في العاصمة الأرجنتينية؛ الذي بني في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد، وافتتحه الملك عبدالله، رحمهما الله، حينما كان وليا للعهد، عام 2000م؛ وقد استوقفتني هذه الثقة في منحه شرف تصميم هذا الصرح السعودي الإسلامي، الذي يعد من أهم المعالم التي تنير طريق من يريد الدراسة والتعرف والبحث عن حقائق الدين والحضارة العربية الإسلامية في القارة اللاتينية ودول البحر الكاريبي؛ وهو ما يؤكد ضرورة الوفاء للفقيد، بجمع وتوثيق أعماله للأجيال القادمة.
أختم بأن في الموت رسالة للأحياء، تدعوهم لمراجعة ما يحدثون في حياتهم، وما يؤجلونه من إحسان وأداء حقوق وصلة أرحام؛ ورحم الله الدكتور زهير، وجزاه عن وطنه ومجتمعه خيرا، وبارك في أخويه سامي وحسين، وأخواته زهيرة وسهام وغادة، وزوجه السيدة سمية مراد، وأبنائه بدر وعبدالله وعمرو وأحمد، وبنتيه در ومريم؛ وأعانهم على تنفيذ إجابته صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي سأله: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال «نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما»، رزقنا الله حسن العمل وطيب الأثر، وجعل لنا من أعمارنا ما يفرحنا عندما يأتينا الأجل.