الأولى

من برد السويد إلى حرارة منى: "المد البشري" يكشف حكايات الحجاج خلف مشاهد الملايين

من برد السويد، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى 30 درجة تحت الصفر، إلى مشعر منى، حيث تقترب من 50 درجة مئوية، تنقلت كاميرات الفيلم الوثائقي "المد البشري" بين بيئات وظروف مناخية متباينة، في رحلة إنتاجية امتدت لأكثر من عشرة أشهر، وشملت أكثر من 25 موقعاً حول العالم، لتوثيق حكايات حجاج من بلدان وثقافات مختلفة، في عمل لا يكتفي بتصوير المناسك والحشود المليونية، بل يتتبع حياة الحجاج قبل وصولهم إلى مكة المكرمة، ويرافقهم خلال أداء الفريضة، ثم يعود معهم إلى أوطانهم لرصد ما تركته الرحلة من أثر في حياتهم.

وخلف هذا العمل، الذي شارك في إنتاجه أكثر من 150 شخصاً، حكايات إنسانية تتجاوز مشاهد الطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمرات، وتكشف ما يحمله الحجاج إلى المشاعر المقدسة من أمنيات وظروف وتجارب شخصية، بعضها امتد لسنوات من الانتظار، وبعضها ارتبط بالمرض أو فقدان الأحبة أو البحث عن السكينة بعد تجارب صعبة.

ويصل الفيلم، الذي تبلغ مدته 90 دقيقة، إلى جمهور مؤتمر ومعرض الحج في نسخته السادسة، الذي تستضيفه جدة خلال الفترة من 8 إلى 11 نوفمبر 2026، بعد سلسلة من العروض السينمائية والثقافية المحلية والدولية، مقدماً معالجة وثائقية تضع الإنسان في مركز المشهد، وتقترب من تفاصيل لا تظهر عادة في التغطيات المصورة لموسم الحج.

تسع سنوات انتظار، وحكاية تستمر بعد الحج
من بين الحكايات التي يتناولها المد البشري، قصة زوجين مضت على زواجهما تسع سنوات دون أن يرزقا بمولود، قبل أن تحملهما رحلتهما إلى مكة المكرمة، حيث توجها بالدعاء إلى الله عند الكعبة المشرفة، راجيين أن يرزقهما الذرية. وبعد شهرين من عودتهما من الحج، اكتشف الزوجان أن الزوجة حامل، لتأخذ حكايتهما منعطفاً جديداً بعد رحلة ظلت تفاصيلها حاضرة في حياتهما.
وتكشف هذه القصة جانباً من طبيعة المعالجة التي يقدمها الفيلم، إذ لا تبدأ أحداثه من الطواف حول الكعبة أو الوقوف على صعيد عرفات، وإنما من منازل الحجاج في بلدانهم، حيث توثق الكاميرا حياتهم اليومية وعلاقاتهم بأسرهم والظروف التي سبقت رحلتهم إلى المشاعر المقدسة.

ومن خلال متابعة هذه الشخصيات، يقدم الفيلم صورة عن اختلاف التجارب التي يحملها الحجاج إلى مكة المكرمة؛ فبينما يرتبط الحج لدى بعضهم بأمنية انتظروها سنوات طويلة، يمثل لدى آخرين محطة يتطلعون من خلالها إلى تجاوز ظروف شخصية صعبة، أو البحث عن السكينة بعد تجارب تركت أثراً في حياتهم.

وتنتقل الكاميرا بعد ذلك مع الحجاج إلى المشاعر المقدسة، لتوثق أداءهم المناسك وما يرافقها من مشقة جسدية ومشاعر إنسانية، وسط تجمع يضم ملايين المسلمين القادمين من مختلف أنحاء العالم.

وبدلاً من الاكتفاء باللقطات الواسعة للحشود، يركز الفيلم على شخصياته الرئيسية داخل هذا المشهد، متتبعاً تفاعلها مع المواقف التي تمر بها، وما تعيشه خلال الطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمرات، في محاولة لربط الصورة العامة للحج بالتجربة الفردية لكل حاج.

ولا تنتهي المتابعة بانتهاء المناسك، إذ يعود فريق التصوير إلى الحجاج في بلدانهم، لرصد حياتهم بعد الرحلة، ومقارنة ما حملوه من توقعات وأمنيات قبل السفر بما عاشوه فعلياً، وما إذا كانت التجربة قد أحدثت تحولاً في نظرتهم إلى الحياة أو تعاملهم مع ظروفهم السابقة.

ويمنح هذا الامتداد الزمني الفيلم بعداً توثيقياً يتجاوز أيام الحج نفسها، من خلال متابعة التجربة في ثلاث مراحل مترابطة، تبدأ بالاستعداد للرحلة، ثم أداء المناسك، وتنتهي بالعودة إلى الحياة اليومية وما تحمله من متغيرات.

150 مشاركاً وسبعة فرق بحثية في دول متعددة
وللوصول إلى الشخصيات التي يتناول الفيلم قصصها، عملت سبعة فرق بحثية في سبع دول، وشملت الاتصالات الأولية 24 دولة، قبل إجراء مقابلات في 13 دولة لاختيار الحجاج الذين سترافقهم الكاميرات خلال مراحل الرحلة.

وشارك في الإنتاج أكثر من 150 شخصاً، بينهم 28 كفاءة سعودية في مجالي التصوير والإخراج، وأكثر من 30 فني تصوير، فيما توزعت مواقع العمل على أكثر من 25 موقعاً حول العالم، شملت كينيا والمغرب والسويد وأوغندا وبريطانيا، وصولاً إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.

وتكشف هذه الأرقام جانباً من حجم العمل الميداني الذي تطلبه الفيلم، سواء في البحث عن الشخصيات المناسبة، أو التنقل بين بلدان متباعدة وبيئات مناخية مختلفة، أو متابعة الحجاج خلال مراحل زمنية متعددة، وصولاً إلى التصوير داخل المشاعر المقدسة، حيث تتداخل حركة الملايين مع متطلبات العمل الوثائقي الذي يركز على تفاصيل أشخاص بعينهم.

وكان التصوير في المشاعر المقدسة من أبرز محطات التجربة بالنسبة إلى فريق الإنتاج، خصوصاً أمام المشاهد المهيبة لتجمع الحجاج في عرفات ومواقع أداء المناسك، وما تحمله من تفاصيل إنسانية يصعب أحياناً اختزالها في الصورة.
ويتذكر الدكتور عبد الرحمن الخريجي، مستشار الشؤون الإعلامية في وزارة الحج والعمرة والمنتج التنفيذي للعمل، بعض اللحظات التي واجهها الفريق أثناء التصوير، خصوصاً عند رمي الجمرات وعلى جبل الرحمة في عرفات.

ويقول الخريجي: "كانت أمامنا مشاهد يصعب وصفها، ولحظات مبكية لا تملك أمامها إلا أن تقف صامتاً، مهما حاولت أن تنقلها بالكاميرا."

ويعكس وصف الخريجي طبيعة المهمة التي واجهها صناع الفيلم، فإلى جانب التحديات الإنتاجية والتنظيمية للتصوير في مواقع متعددة حول العالم، كان على الفريق التعامل مع مشاهد واسعة ومهيبة في المشاعر المقدسة، مع المحافظة على التركيز على الحكايات الفردية التي تشكل محور العمل، ونقل ما تحمله من مشاعر وتفاصيل إنسانية.

من جدة إلى لندن والبرلمان البريطاني
وسبق وصول المد البشري إلى مؤتمر ومعرض الحج مسار من العروض السينمائية والثقافية، بدأ بعرضه العالمي الأول في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة، حيث شهد إقبالاً أدى إلى نفاد التذاكر وتنظيم عروض إضافية.

كما عرض الفيلم في بينالي الدرعية للفنون المعاصرة، قبل أن يصل إلى لندن والبرلمان البريطاني، مقدماً قصص الحجاج إلى جمهور من خلفيات وثقافات مختلفة، عبر معالجة تركز على التجارب الإنسانية المرتبطة بالحج، وما يجمع أصحابها رغم اختلاف بلدانهم وظروفهم.

ويكتسب عرض الفيلم في مؤتمر ومعرض الحج أهمية خاصة من ارتباط موضوعه بمحاور المؤتمر، الذي يناقش تطوير الخدمات والتقنيات والحلول التنظيمية الهادفة إلى تيسير رحلة ضيوف الرحمن وتحسين تجربتهم.

فبينما تتناول جلسات المؤتمر وأجنحته الجوانب التشغيلية والخدمية المرتبطة بالحج، يقدم المد البشري منظوراً آخر لهذه الرحلة، من خلال التعريف بالإنسان الذي تتوجه إليه تلك الجهود، والظروف التي يمر بها قبل الوصول إلى مكة المكرمة، والتجارب التي يعيشها خلال أداء المناسك، وما يصحبه منها بعد العودة إلى وطنه.

ومن حكاية زوجين انتظرا مولوداً تسع سنوات، إلى تجارب حجاج حملوا معهم إلى مكة آمالاً وظروفاً مختلفة، يقدم الفيلم صورة للحج تتجاوز مشهد الملايين الذين يجتمعون في زمان ومكان واحد، لتكشف حكايات إنسانية تبدأ قبل الوصول إلى المشاعر المقدسة، وتمتد آثارها إلى ما بعد العودة منها، في رحلة لا تختصرها أيام المناسك، ولا تستطيع اللقطات الواسعة للحشود وحدها أن تروي تفاصيلها.