الرأي

السلوك الإجرامي لجماعة الحوثي ودورها في صناعة الإرهاب الدولي


لا ينشأ السلوك الإجرامي الجماعي من مجرد اجتماع أفراد ارتكبوا جرائم، بل قد يتطور حين تتلاقى الدوافع، وتتبادل التبريرات، وتتشكّل هوية تنظيمية تمنح الانحراف مشروعية داخل الجماعة، حتى يتحول العنف إلى نهج متكرر يخدم أهدافها. ومن ثم، فإن فهم سلوك الجماعات المسلحة يتطلب دراسة بنيتها التنظيمية وقياداتها وآليات اتخاذ القرار فيها.

وتبرز هذه المسألة عند دراسة ممارسات جماعة الحوثي، ولا سيما الاعتداءات الصاروخية التي استهدفت المملكة العربية السعودية، وما أثير بشأن تهديد مكة المكرمة والمدينة المنورة. فخطورة هذه الأفعال لا تقتصر على آثارها المادية، بل تمتد إلى تهديد الأمن والاستقرار، وتثير تساؤلات حول أهداف الجماعة ومبررات استهداف المواقع المقدسة.

وفي هذا السياق، يسعى الإعلام المسيس التابع للجماعة إلى استقطاب اليمنيين، وتقديم الانضمام إليها بوصفه مشاركة في قضية أسمى. غير أن مشروع الدولة الحقيقي يقوم على المشاركة الوطنية، واحترام القانون، وبناء المؤسسات، وصون حقوق المواطنين، لا على إخضاع المجتمع لمشروع جماعة مسلحة.

وتكشف الممارسات المنسوبة إلى الحوثيين، في مناطق يمنية متعددة، عن آثار تتجاوز الصراع على السلطة إلى المساس بأمن المواطنين وممتلكاتهم، من خلال النهب والتهجير القسري والحصار، كما حدث في تعز. وهي ممارسات تتعارض مع مقتضيات بناء الدولة وواجب حماية المواطنين.

كما أن الظروف الاقتصادية القاسية والفقر والحاجة قد تجعل بعض اليمنيين عرضة للاستقطاب والتغرير، فينضم بعضهم إلى الجماعة بحثا عن مصدر للرزق، حتى لو ارتبط ذلك بالمشاركة في أعمال إجرامية. ويكشف ذلك خطورة استغلال الحاجة المعيشية لتجنيد الأفراد وتوجيههم نحو العنف.

أما استمرار هذا النهج، فيرتبط كذلك بعقلية عدوانية تبرر السلب والنهب، وترفض الخضوع للقانون والنظام المدني، ولا تعير المصلحة العامة اعتبارا. وفي مثل هذه البيئة، قد تتحول الجماعة إلى إطار يتيح لأصحاب السلوك الإجرامي ممارسة نزعاتهم وتبريرها، بدلا من إخضاعهم للمساءلة القانونية.

وتبرز هنا أهمية الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم لعام 1989م، التي تتناول في مادتها الثانية أفعالا محددة مرتبطة بالارتزاق المسلح وفق شروط الاتفاقية. وتزداد خطورة الظاهرة حين تتحول الجماعة المسلحة إلى مصدر للتهديد الإقليمي، وتُستغل أوضاع اليمنيين لتوظيفهم في أجندات معادية للمنطقة العربية. كما أن الدعم الخارجي، بما يشمله من تمويل وتدريب وخبراء وأسلحة ومعلومات استخباراتية، قد يعزز قدرات الجماعات المسلحة على مواصلة أنشطتها وتوسيع نطاق تهديداتها، بما قد يمتد إلى أعمال إرهابية وغيرها من الأفعال المجرمة وفق القواعد القانونية المنطبقة.

وإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إرادة وطنية يمنية تدرك أن حماية اليمن لا تتحقق باستمرار الصراع، بل باستعادة الدولة ومؤسساتها، وترسيخ سيادة القانون، وصون حقوق المواطنين وممتلكاتهم. والحل، في جوهره، بيد الأشقاء اليمنيين؛ فهم الأقدر على بناء مشروع وطني جامع يحمي مقدرات بلادهم، ويصون أمنها واستقرارها، ويفتح الطريق أمام تنميتها، ويحول دون تحول اليمن إلى ساحة تستقطب الجماعات الإرهابية من الداخل والخارج، وتعيد إنتاج العنف وتهديد أمن المنطقة.

expert_55@