أي جامعة نريد لقطاع السياحة السعودي؟
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦لم تعد السياحة في الدراسات الأكاديمية المعاصرة مجرد انتقال بين الأماكن، بل أصبحت موضوعا لفهم العلاقة بين الإنسان والمكان والمجتمع. وقد أسهم عالم الاجتماع جون أوري، في كتابه The Tourist Gaze، في توسيع النظر إلى التجربة السياحية بوصفها ظاهرة تتشكل من خلال الثقافة والتوقعات والمعاني التي يمنحها الإنسان للأماكن. ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز تجربة السائح ذاتها: كيف تتحول السياحة إلى معرفة؟ وما دور الجامعة في إنتاج هذه المعرفة وتوظيفها في تطوير القطاع؟
حين ننظر إلى السياحة بوصفها صناعة اقتصادية، فإننا نرى الفنادق والوجهات والفعاليات والخدمات، ونقيس النجاح بأعداد الزوار والعوائد وفرص العمل. لكن خلف هذه الصورة أسئلة أعمق: ما الذي يجعل وجهة سياحية قادرة على الاستمرار؟ وكيف تتشكل تجربة الزائر؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وصون التراث والاستدامة؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى تفاعل بين الممارسة المهنية والبحث العلمي؛ فالواقع يطرح الأسئلة، والجامعة تساعد على فهمها وتحويلها إلى معرفة قابلة للتطوير والتطبيق.
تقدم جامعة هونغ كونغ للفنون التطبيقية نموذجا يستحق التأمل في هذا السياق. فكلية إدارة الفنادق والسياحة تربط التعليم بالممارسة والبحث، ويبرز في تجربتها فندق Hotel ICON، الذي يمثل بيئة تطبيقية للتعليم والبحث في مجال الضيافة. ولا يقتصر دور الكلية على إعداد الطلاب للعمل، بل يمتد إلى تقديم الاستشارات وإجراء الدراسات وتطوير البرامج الأكاديمية للجهات والمؤسسات. وقد شملت أعمالها الاستشارية مشروعات في التخطيط السياحي وتطوير الوجهات، إلى جانب أعمال مرتبطة بتطوير المناهج لجامعة الملك عبدالعزيز. وهنا تتجاوز الجامعة دورها التقليدي لتصبح جهة يرجع إليها للاستفادة من خبرتها في فهم التحديات وتصميم الحلول.
لكن هذا النموذج يفتح بابا لسؤال أعمق عن وظيفة الجامعة نفسها. فثمة تصور أكاديمي يرى أن الجامعة لا تحقق رسالتها الحقيقية إلا حين تخرّج باحثين، وأن البحث العلمي وإنتاج المعرفة هما المعيار الأهم للحكم على نجاحها. وهذا التصور يستند إلى جانب أصيل من رسالة الجامعة؛ فإعداد الباحثين وتوسيع المعرفة ليسا أمرين هامشيين، بل من صميم العمل الأكاديمي. غير أن السؤال هو: هل ينبغي أن يختزل نجاح الجامعة في تخريج الباحثين وحدهم؟ وهل تنتقص من أكاديمية الجامعة قدرتها على إعداد خريجين يطبقون المعرفة، ويطورون الممارسات، ويعالجون مشكلات المهنة؟
في تقديري، لا تكمن المسألة في المفاضلة بين جامعة تعنى بالبحث وأخرى تعنى بالتطبيق، بل في فهم العلاقة بينهما. فليس كل طالب يلتحق بالجامعة يسعى إلى أن يصبح باحثا محترفا، كما أن إعداد المديرين والممارسين ورواد الأعمال لا يعني التخلي عن التفكير العلمي. على العكس، يحتاج هؤلاء إلى القدرة على تحليل المشكلات، وفهم الأدلة، وتقييم الخيارات، واتخاذ القرارات على أساس معرفي. وفي المقابل، يحتاج البحث الأكاديمي إلى ملامسة الواقع حتى لا ينفصل عن الأسئلة التي تواجه المجتمع والاقتصاد. ومن هنا، فإن الجامعة القوية هي التي تتيح مسارات متنوعة لخريجيها، وتحتفظ في الوقت نفسه بصلتها بالبحث وإنتاج المعرفة.
ولا يعني استلهام تجربة هونغ كونغ أن على الجامعات السعودية استنساخها، بل أن تستفيد من الفكرة التي تقوم عليها: أن الجامعة لا ينبغي أن تكون مجرد جهة تعدّ العاملين في القطاع، بل مؤسسة تسهم أيضا في تطوير المعرفة التي يستند إليها القطاع. وهذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في السياحة السعودية، حيث يتسع المجال للتعليم التطبيقي والبحث العلمي معا، وتظهر الحاجة إلى كفاءات قادرة على إدارة المشروعات من جهة، وإلى دراسات وخبرات تساعد على فهم تحولات القطاع وتوجيهها من جهة أخرى.
وفي المملكة العربية السعودية، تظهر مبادرات متنوعة لتطوير التعليم السياحي التطبيقي. وتقدم جامعة الملك خالد مثالا على الاهتمام بالجاهزية العملية من خلال برامج كلية السياحة والضيافة وبيئات التدريب التخصصية في مجالات من بينها فنون الطهي. أما جامعة الملك عبدالعزيز، فتجمع بين البرامج المتخصصة والشراكات المهنية، ومنها تعاونها مع فندق شانغريلا جدة، الذي يشمل التدريب والبحث العلمي وتطوير البرامج والمناهج. وتقدم جامعة الملك سعود مثالا آخر على التعاون مع مؤسسات الضيافة لتأهيل الطلبة، كما في اتفاقية التدريب مع فندقي الريتز كارلتون في الرياض وجدة.
ولا يقتصر حضور جامعة الملك سعود في هذا المجال على تأهيل الكفاءات من خلال الشراكات المهنية؛ إذ تمثل الجمعية السعودية للسياحة، المرتبطة بالجامعة، تجربة جديرة بالتأمل والبناء عليها في تعزيز الصلة بين المعرفة الأكاديمية وصناعة السياحة. فمثل هذه المبادرات تفتح المجال للتواصل بين الباحثين والمتخصصين والممارسين والجهات المعنية بالقطاع، بما يساعد على ربط الأسئلة البحثية بتحديات الواقع، وتقريب نتائج الدراسات من احتياجات المهنة.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنه لا يفصل بين إنتاج المعرفة وتطبيقها؛ فالباحث يحتاج إلى فهم الممارسة، والممارس يحتاج إلى معرفة تساعده على تطوير عمله. ومن خلال هذا التفاعل، يمكن للجامعة أن تعزز دورها بوصفها شريكا معرفيا في تطوير السياحة السعودية، وأن تهيئ أحد الأسس التي يمكن أن تبنى عليها مرجعية أكاديمية أكثر تأثيرا.
وتبرز جامعة جازان في تنمية الكفاءات السياحية عبر شراكاتها مع البحر الأحمر الدولية، التي تستهدف تطوير المسارات المهنية والتدريبية للطلاب، إلى جانب تعاونها مع مجموعة هيلتون، الذي أعلن عنه في أكتوبر 2026، ويستهدف تدريب مئة طالب وطالبة سنويا في مجالات السياحة والضيافة وإدارة الأعمال وتعزيز فرص توظيف الخريجين. وتوضح هذه المبادرات أهمية التعاون بين الجامعة والقطاع، مع ضرورة التمييز بين الأهداف المعلنة والنتائج التي تتحقق فعليا؛ فالإعلان عن شراكة يمثل بداية لمسار محتمل، أما أثرها الحقيقي فيقاس بما ينتج عنها من فرص تعلم وخبرات ومهارات ونتائج ملموسة.
ومع أهمية هذه المبادرات، يبقى من الضروري التمييز بين بناء القدرة على التدريب وبناء المرجعية الأكاديمية. فالمعمل يهيئ الطالب للتدريب، والشراكة تفتح بابا للتعاون، والبرنامج يؤهله للعمل؛ أما المرجعية فتحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك: تراكم البحوث المؤثرة، وتكوين خبرات متخصصة، وتقديم دراسات وحلول تستفيد منها المؤسسات وصنّاع السياسات. وهي مكانة لا تكتسب بالإعلان أو بمجرد وجود المرافق والاتفاقيات، بل تتشكل حين تصبح الجامعة مصدرا موثوقا للمعرفة، ويرجع إلى بحوثها وخبراتها لفهم المشكلات وتطوير الممارسات واتخاذ القرارات.
وقد يكون الطريق إلى هذه المرجعية عبر التخصص والتكامل بين الجامعات، لا عبر تنافسها جميعا على المسار نفسه. فقد تتقدم جامعة في دراسات الحج والعمرة وإدارة الحشود وتجربة الزائر، وتتميز أخرى في السياحة الثقافية والتراثية، بينما تتطور ثالثة في الضيافة والاستدامة أو إدارة الفعاليات والوجهات. ومثل هذا التوزيع لا يعني حصر الجامعات في مجالات مغلقة، بل يتيح لها بناء خبرات تراكمية واضحة، ويجعل التعاون بينها أكثر فاعلية من تكرار التجارب والبرامج ذاتها.
إن نمو السياحة السعودية واتساع مشروعاتها ووجهاتها يضعان الجامعات أمام فرصة تتجاوز إعداد الكفاءات إلى الإسهام في إنتاج المعرفة وتطوير الممارسات وصناعة القرار. وربما لا يكون المطلوب أن تسلك جميع الجامعات الطريق نفسه، أو أن تتبنى نموذجا واحدا للعلاقة بين البحث والتطبيق، بقدر ما يكون المطلوب أن يجد كل مسار مكانه ضمن منظومة أكاديمية متكاملة، تستجيب لاحتياجات القطاع وتستفيد من خصوصية المملكة وتجارب العالم.
ومن هنا، فإن السؤال ليس ما إذا كانت الجامعة ينبغي أن تكون أكاديمية أو تطبيقية؛ فهل يمكن الفصل بين المعرفة التي تنتجها الجامعة والممارسة التي يحتاج إليها القطاع؟ وأي نموذج جامعي يمكنه أن يجمع بين تخريج الباحثين وتأهيل المهنيين، وأن يجعل من البحث العلمي أداة لفهم السياحة السعودية وتطوير مستقبلها؟ لعل الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يستحق أن نبدأ به حوارا أوسع حول الجامعة التي نريدها لقطاع السياحة السعودي.