الإدارة العامة السعودية: تحولات الفكر والممارسة
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦تشهد المملكة العربية السعودية، منذ إطلاق رؤية 2030، تحولا جوهريا في فلسفة الإدارة العامة وممارساتها، انعكس على أدوار الأجهزة الحكومية، وآليات عملها، وطبيعة علاقتها بالمواطنين والقطاع الخاص، وأساليب قياس أدائها. ولم يقتصر هذا التحول على تطوير الخدمات الحكومية أو توظيف التقنيات الرقمية، بل امتد إلى إعادة النظر في كيفية إدارة المؤسسات العامة، وتحديد أولوياتها، وتخصيص مواردها، ومساءلتها عن النتائج والأثر الذي تحققه. ويأتي ذلك في إطار تحقيق مستهدف «حكومة فاعلة»، بوصفه أحد المرتكزات الأساسية لرؤية 2030. وتتميز الحكومة الفاعلة بقدرتها على استباق التحديات، والمبادرة إلى التطوير والتحسين، والتكيف مع المتغيرات، بدلا من الاكتفاء بالاستجابة لها. فهي حكومة تتبنى نهجا استباقيا في قراءة المستقبل، وتطوير مؤسساتها، وابتكار أساليب عملها، بما يعزز كفاءة الأداء وجودة الخدمات، ويرسخ قدرتها على تحقيق النتائج المستهدفة.
وجاء هذا التحول استجابة لمتغيرات اقتصادية واجتماعية وسكانية وتقنية متسارعة، فرضت ضرورة تجاوز النموذج البيروقراطي التقليدي، القائم على المركزية والإجراءات البيروقراطية وتعدد المستويات التنظيمية، إلى نموذج إداري أكثر مرونة وكفاءة واستجابة، يستند في صناعة القرار إلى البيانات والأدلة، ويضع المستفيد في صميم اهتمامه، ويقيس نجاح المؤسسات العامة بما تحققه من نتائج ملموسة وأثر مستدام.
من المظاهر الأولى للحراك الإصلاحي إعادة هيكلة القطاع الحكومي، ودمج عدد من الهيئات والجهات الحكومية، وإسناد الإشراف على تنفيذ السياسات العامة إلى مجلسي الشؤون الاقتصادية والتنمية، والشؤون السياسية والأمنية. وقد مثّل المجلسان، ولا سيما مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، نقلة في طبيعة الرقابة على الأجهزة الحكومية، من التركيز التقليدي على تنفيذ الإجراءات والرقابة الإجرائية الروتينية إلى الرقابة على السياسات والأولويات ومستوى الإنجاز. وتعزز هذا التحول مع تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتوسيع مشاركة أصحاب المصلحة في صنع القرار، والتوسع في تفويض الصلاحيات للقيادات الإدارية. فلم تعد المساءلة تقتصر على التحقق من سلامة الإجراءات، بل امتدت إلى تقييم مستوى الإنجاز، وكفاءة استخدام الموارد، والأثر المتحقق للمواطن والاقتصاد والمجتمع. كما استلزم ذلك تحديد المسؤوليات بوضوح، وربط الصلاحيات بالمساءلة عن النتائج، وتوفير البيانات اللازمة لمتابعة الأداء، ورصد الانحرافات وتصحيحها في الوقت المناسب.
ويواكب هذا التوجه التحول من موازنة البنود إلى موازنة الأداء القائمة على النتائج، وهو ما يمثل تطورا نوعيا في أساليب التخطيط والموازنة والرقابة المالية. فقد أصبحت الموازنة العامة أكثر ارتباطا بالأولويات الوطنية والمخرجات المستهدفة، بما يتيح مقارنة الموارد المخصصة بالنتائج المتحققة، ويدعم اتخاذ قرارات إنفاق حكومي أكثر كفاءة وفاعلية، ويوجه تخصيص الموارد نحو البرامج والمبادرات ذات العائد التنموي الأكبر. وفي السياق ذاته، أسهم التحول الرقمي والتوسع في الخدمات الالكترونية في تسريع وتيرة التغيير في الأداء الحكومي، إذ يسرا حصول الأفراد والمنشآت على الخدمات، وقللا الحاجة إلى مراجعة المقرات الحكومية، واختصرا زمن إنجاز المعاملات، وعززا إتاحة المعلومات وسهولة الوصول إليها. وتتجاوز أهمية هذا التحول من مجرد الانتقال من المعاملات الورقية إلى المنصات الالكترونية، إذ تكمن قيمته الحقيقية في إعادة تصميم الإجراءات، وتقليص الخطوات غير الضرورية، وربط قواعد البيانات والأنظمة الحكومية، وتعزيز تبادل المعلومات بين الجهات، بما يحد من تكرار طلب البيانات من المستفيدين ويرفع كفاءة تقديم الخدمات. وتجسد المنصات الحكومية الرقمية، مثل «أبشر» و«توكلنا»، جانبا من هذا التطور في نماذج تقديم الخدمات الحكومية، والانتقال بها نحو مزيد من التكامل والسرعة وسهولة الوصول.
ولم تقتصر رؤية 2030 على الجوانب الهيكلية والتقنية، بل أولت اهتماما بتطوير رأس المال البشري الحكومي، ورفع كفاءة القيادات والموظفين، وتحديث ممارسات إدارة الموارد البشرية، بما يدعم تحقيق الأهداف الوطنية. ويتطلب ذلك بناء قدرات في مجالات تحليل البيانات، والتحول الرقمي، وإدارة المشروعات، وقياس الأداء، وتصميم الخدمات، وصناعة السياسات العامة وتقييمها. كما يستلزم التحديث المستمر لأساليب استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، وتوفير مسارات مهنية تستند إلى الجدارة، وربط التطوير الوظيفي بالقدرات والإنجاز، وتوسيع فرص التعلم المستمر. فالمؤسسات الحكومية تحتاج إلى مزيج من الخبرات الإدارية والتقنية والتخصصية، وإلى بيئة تشجع التعلم التنظيمي وبناء الخبرات التبادل المعرفي والتعاون بين الإدارات.
ومن المهم والحديث عن هذه الإصلاحات المؤسسية الواسعة الالتفات إلى الحوكمة اللامركزية وتطوير الإدارة المحلية بوصفها امتدادا طبيعيا لمسار تطوير الحوكمة في الأجهزة الحكومية المركزية. ويمثل مستهدف رؤية 2030، ضمن برنامج جودة الحياة في إدراج ثلاث مدن سعودية ضمن قائمة أفضل مئة مدينة في العلم، دافعا لتطبيق اللامركزية وتطوير الإدارة المحلية بإنشاء هيئات محلية تتولى مسؤولية إدارة الشأن المحلي، وتخضع للمساءلة عن أدائها ونتائجها. ولا تعني اللامركزية إلغاء المركزية أو تقليل دور الهيئات الحكومية المركزية، بل تمثل نمطا من الترتيبات المؤسسية والتنظيمية التي تعيد توزيع الاختصاصات والصلاحيات بين المستويين المركزي والمحلي. ومن شأن ذلك تضييق نطاق الإشراف، وتقريب عملية صنع القرار من المجتمعات المحلية، وتحديد المسؤوليات بصورة أوضح، وتعزيز المساءلة عن جودة الخدمات والتنمية المحلية.
ولتكتمل منظومة الإصلاح المؤسسي تم إنشاء المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة (أداء)، ليضطلع بدور تقويم أداء الأجهزة الحكومية وبرامجها ومشروعاتها، والتأكد من أنها تحقق الأثر المطلوب. ويمثل ذلك تحولا نوعيا في فلسفة قياس الأداء الحكومي، من قياس ما أنجزته الجهات إلى تقييم ما تحقق من نتائج وما أحدثته من أثر، ومن التركيز على تنفيذ المبادرات إلى التحقق من المنافع المتحققة منها، ومن تطوير الخدمات داخل كل جهة على حدة إلى تعزيز التكامل بين الجهات وبناء تجربة حكومية متكاملة تتمحور حول المستفيد.
وتجسد هذه التحولات ملامح نموذج جديد للإدارة العامة السعودية، يقوم على تحقيق توازن مؤسسي بين الكفاءة والعدالة، والابتكار والانضباط، والمرونة والمساءلة، والتقدم التقني والحفاظ على القيم العامة. وقد أفرزت هذه التجربة توجهات وممارسات تستحق الدراسة والتحليل والتوثيق، ليس فقط لرصد ما تحقق من إنجازات، بل أيضا لفهم العوامل والدوافع التي أسهمت في إعادة تشكيل فلسفة الإدارة العامة، وثقافتها المؤسسية، وأدواتها، وممارساتها.
ومن هنا، تبرز أهمية عقد مؤتمر علمي متخصص لرصد هذه التجربة وتوثيقها وتحليلها، وإبرازها بوصفها تجربة إصلاحية رائدة تستحق الدراسة وتبادل الخبرات. إن توثيق هذه التجربة ودراستها علميا يمثلان خطوة مهمة نحو ترسيخ منجزاتها، واستخلاص دروسها، وتقديمها بوصفها إسهاما سعوديا في تطوير الفكر والممارسة الإدارية الحكومية، ومصدرا للمعرفة في تطوير حقل الإدارة العامة على المستويين الإقليمي والدولي.