جدة تستعيد ذاكرة الحرف الإسلامي.. الخط العربي والتذهيب التركي في حوار جمالي عابر للحدود
الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦حين يتحول الحرف من وسيلة للكتابة إلى مساحة للتشكيل، ومن دلالة لغوية إلى تكوين بصري يستدعي التأمل، يصبح الفن قادرا على حفظ الذاكرة وإعادة تقديمها بلغة تتجاوز حدود الزمان والمكان. ومن هذه العلاقة بين الكلمة والجمال، تحتضن جدة تجربة فنية تستعيد ثراء الخط العربي والتذهيب التركي، وتضيء جانبا من الإرث الجمالي للحضارة الإسلامية، وما يحمله من تقاليد إبداعية تناقلتها الأجيال.
وفي هذا الإطار، شهدت مدينة الطيبات العالمية للعلوم والمعرفة بجدة، مساء الاثنين، افتتاح معرض «جماليات الخط العربي والتذهيب التركي.. آيات ونقوش من التراث الإسلامي»، بتنظيم وكالة لاقونا للفنون، وبدعم من القنصلية العامة للجمهورية التركية بجدة والممثلية الدائمة للجمهورية التركية لدى منظمة التعاون الإسلامي، بمشاركة نخبة من الفنانين التشكيليين الأتراك، وحضور دبلوماسي وثقافي وإعلامي.
وافتتح المعرض السفير جنك أوراز، الممثل الدائم للجمهورية التركية لدى منظمة التعاون الإسلامي، والقنصل العام التركي بجدة مصطفى أونال، بحضور محمد أمين أشان، ممثل وكالة لاقونا، والمهندس سيف الله حامي الدين، المؤسس والشريك بالوكالة.
وتقدم الأعمال المشاركة تجربة بصرية تستلهم جماليات الحرف العربي وفنون التذهيب التركي، وتستحضر الآيات والنقوش والزخارف الإسلامية ضمن تكوينات تجمع بين دقة الصنعة وثراء التعبير التشكيلي. وهي تجربة لا تتوقف عند استعراض المهارات الفنية، بل تستعيد علاقة الفن بالمعرفة والروح والهوية الحضارية، وتكشف عن مساحات الالتقاء بين مدارس فنية تشكلت في بيئات ثقافية متعددة، واجتمعت حول إرث جمالي مشترك.
الخط العربي.. حين تصبح الكتابة فنا
لم يكن الخط العربي عبر تاريخه مجرد وسيلة لتدوين اللغة وحفظ المعرفة، بل تطور إلى أحد أبرز الفنون البصرية في الحضارة العربية والإسلامية؛ إذ استطاع الحرف أن يتحرر من وظيفته الكتابية المباشرة، ليصبح عنصرا تشكيليا تتداخل في بنائه الهندسة والإيقاع والتوازن، وتلتقي فيه دلالة الكلمة بجمال الصورة.
ومن الكوفي ذي الطابع الهندسي، إلى النسخ المعروف بوضوحه وتوازنه، والثلث بما يحمله من فخامة وامتدادات، وصولا إلى الديواني والرقعة والفارسي، تشكلت مدارس خطية متعددة عكست تنوع الذائقة الفنية وثراء التجربة الحضارية. ولم يكن اختلافها مقتصرا على أشكال الحروف، بل امتد إلى طرائق توزيعها وعلاقاتها بالمساحات والفراغات والنسب، بما يمنح كل لوحة شخصية بصرية متفردة.
وفي هذا الفن، لا يقل الفراغ أهمية عن الحرف، ولا تنفصل سماكة الخطوط عن إيقاع التكوين؛ فالمساحات البيضاء وتوازن الكتل وانحناءات الحروف جميعها عناصر تشارك في بناء العمل، وتكشف عن قدرة الخطاط على الجمع بين القواعد الدقيقة والحرية الإبداعية.
المدرسة العثمانية.. إرث من الإتقان والجمال
وفي التجربة التركية، يحتل فن «حسن الخط» (Hüsn-i Hat)، الذي يعني الكتابة الجميلة، مكانة راسخة في تاريخ الفنون الإسلامية. فقد أسهم الخطاطون العثمانيون في تطوير هذا الفن وإثراء مدارسه، حتى أصبحت إسطنبول إحدى أبرز محطاته التاريخية، وبرزت فيها تقاليد فنية وتعليمية دقيقة، كان من أبرز روادها الشيخ حمد الله، الذي ارتبط اسمه بتأسيس ملامح المدرسة العثمانية في الخط.
وتختصر مقولة تركية شهيرة هذه المكانة بعبارة «نزل القرآن في مكة، وقرئ في مصر، وكتب في إسطنبول»، وهي مقولة رمزية تستحضر ما بلغته المدينة من منزلة في تاريخ الخط العربي، وما حظي به الخطاطون من رعاية أسهمت في تطوير أساليب الكتابة والارتقاء بقواعدها الجمالية.
ولم يكن هذا الازدهار قائما على الموهبة وحدها، بل استند إلى منظومة متكاملة من المعرفة والحرفية، تبدأ باختيار قصبة القلم وإعداد الحبر والورق المهيأ للكتابة، وتمتد إلى قواعد القياس والتناسب، وتقاليد التلقي والتدريب التي تنتقل من الأستاذ إلى التلميذ عبر سنوات طويلة من الممارسة والصبر.
التذهيب التركي.. الذهب بوصفه لغة تشكيلية
إذا كان الخط العربي يمنح الكلمة بنيتها الجمالية، فإن التذهيب يضيف إليها فضاء بصريا يثري حضورها ويكمل تكوينها. ويعرف هذا الفن في المصطلح التركي باسم «Tezhip»، وهو من الفنون العريقة التي ارتبطت بتزيين المصاحف والمخطوطات والكتب، من خلال توظيف الذهب والألوان والزخارف النباتية والهندسية في تكوينات دقيقة ومتوازنة.
ولا يقوم التذهيب على إضافة الزخارف لمجرد التزيين، بل يستند إلى حس فني يوازن بين التفاصيل والمساحات، وبين كثافة العناصر وهدوء التكوين، ليمنح الصفحة عمقا بصريا وثراء زخرفيا دون الإخلال بوحدتها.
وفي تفاعله مع الخط العربي، يتجاوز التذهيب دور الإطار التجميلي إلى المشاركة في بناء العمل الفني؛ إذ يعزز حضور النص، ويوجه حركة العين بين الحروف والزخارف، ويخلق علاقة تكاملية بين الكلمة واللون والذهب. ولهذا اكتسب الخط والتذهيب مكانة خاصة في التراث الإسلامي، لارتباطهما بالمصاحف والمخطوطات، فضلا عما يعكسانه من دقة الصنعة والصبر والوعي بالتناسب والتناغم.
من المخطوطات إلى التشكيل المعاصر
ومع تطور الفنون التشكيلية، لم يعد الحرف العربي محصورا في وظيفته الكتابية، بل أصبح مادة بصرية مفتوحة على تجارب متعددة، تتفاعل مع اللون والملمس والكتلة والضوء. فبينما تحافظ بعض الأعمال على وضوح النص ودلالته، تتجه تجارب أخرى إلى التجريد وتفكيك البنية الحرفية وإعادة تشكيلها في رؤى معاصرة تستلهم التراث دون أن تتقيد بقوالبه التقليدية.
ويكشف هذا التحول عن قدرة الفنون التراثية على مواصلة حضورها في المشهد الإبداعي، والتفاعل مع تحولات الذائقة البصرية، دون التفريط في أصولها وخصوصيتها. فاستلهام الموروث لا يعني استنساخه، بل إعادة قراءته واكتشاف إمكاناته التعبيرية في سياقات جديدة.
وقد حظي فن «حسن الخط» التقليدي في الفن الإسلامي بتركيا باعتراف دولي، بإدراجه عام 2021 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو، في تأكيد لأهميته الثقافية وللمعارف والمهارات والتقاليد المرتبطة بممارسته ونقله بين الأجيال.
وفي المملكة، يتنامى حضور الخط العربي في المعارض والمبادرات الفنية والبرامج الثقافية، بوصفه أحد مكونات الهوية الوطنية ورافدا للثقافة البصرية.
ومع التحولات الرقمية، تبرز أهمية صون أصوله وتوثيق مدارسه ودعم الخطاطين، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة في فتح مسارات جديدة أمام هذا الفن، بما يحافظ على خصوصيته ويعزز حضوره في الحياة المعاصرة.
الفنون.. ذاكرة مشتركة وجسور للتواصل
تتجاوز أهمية معرض «آيات ونقوش» حدود عرض مجموعة من الأعمال الفنية؛ فهو يستحضر إرثا حضاريا تشكل عبر قرون من التفاعل الثقافي والإبداعي، ويكشف عن المساحات المشتركة التي تجمع المملكة وتركيا في تاريخ الفنون الإسلامية.
كما تتيح مشاركة الفنانين الأتراك في جدة فرصة للتعرف على تقاليد فنية عريقة، والاطلاع على تجارب تتقاطع فيها المهارة الحرفية مع الرؤية التشكيلية، بما يوسع مساحات الحوار الثقافي وتبادل الخبرات، ويؤكد قدرة الفنون على بناء جسور التواصل بين الشعوب بعيدا عن اختلاف اللغات والجغرافيا.
ويستمر المعرض حتى السابع من نوفمبر الحالي في مدينة الطيبات العالمية للعلوم والمعرفة بجدة، وفق ساعات العمل المعتمدة.
فالحرف العربي ليس مجرد أثر مكتوب، بل ذاكرة تختزن تاريخا من المعرفة والجمال، والتذهيب ليس ذهبا يزين الصفحة فحسب، بل لغة فنية تمنحها روحا وتكوينا. وبين الحرف والزخرفة تتجدد حكاية فن استطاع أن يعبر القرون، محتفظا بأصالته، ومنفتحا على رؤى إبداعية تجعل من التراث مساحة حية للحوار الإنساني والثقافي.