اقتصاد الإرهاق: دين لا تسدده القهوة
الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦تتكرر في أروقة الجامعات مع اقتراب مواسم الاختبارات مشاهد محزنة للطلاب. فهذه حالة لطالبة متفوقة ومعتادة على التميز، تفقد قدرتها تماما على التركيز أمام ورقة الأسئلة، لتتلاشى الأفكار وتتحول الكلمات أمام عينيها إلى طلاسم مبهمة. لم يكن ذلك ناتجا عن تقصير في التحصيل، بل لأن جسدها وعقلها دخلا قاعة الاختبار بعد معركة طويلة من الحرمان من النوم، متكئة على الأكواب المتتالية من القهوة ومشروبات الطاقة لتبقي حواسها في حالة يقظة قسرية، فوصلت خط النهاية وقد «نفذ مخزون عقلها» قبل أن تبدأ. هذا المشهد ليس حالة استثنائية، بل هو يمثل ظاهرة شبه مألوفة باتت معيارا زائدا عن اللزوم للاجتهاد.
مشهد آخر لطالب على وشك النوم في منتصف الليل راضيا عما أنجزه من حصيلة دراسته للاختبار، يضيء هاتفه فجأة ليرى في جروب واتساب مجموعته الدراسية زميلا بدأ للتو مراجعة فصل جديد، وآخر يسأل عن جزئية غير مفهومة. في تلك اللحظة تتزعزع طمأنينته، ويساوره الشك في مشروعيته في النوم بينما الآخرون يواصلون. فيعود أدراجه نحو المطبخ ليعد كوبا جديدا من القهوة. المادة لم تتغير، وموعد الاختبار لم يتقدم. الذي تغير هو شعوره بأنه لا يحق له أن ينام ما دام غيره مستيقظا.
هذه الدوامة هي ما يمكن وصفه بـ»اقتصاد الإرهاق»؛ معادلة صامتة تدار بلا قوانين مكتوبة، لكن الجميع ينقاد لها، حيث يعد التعب والإنهاك العملة الرابحة، وكلما دفع الإنسان من رصيد صحته وعافيته أكثر، بدا اجتهاده أصدق. غير أن الثمن الحقيقي يدفع صباحا، حين يعجز الدماغ عن ربط أبسط المعلومات ببعضها ويقرأ السؤال مرتين ولا يمسك بطرفه.
الأبحاث لا تجامل هذه المعادلة. ففي دراسة نشرتها مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية (PNAS) عام 2023، تابع باحثون من جامعة كارنيغي ميلون وجامعات أخرى أكثر من 600 طالب في سنتهم الجامعية الأولى بأجهزة تقيس النوم فعليا بدل الاعتماد على تقديرهم. كان متوسط نومهم نحو ست ساعات ونصف، ومع كل ساعة تنقص من هذا المتوسط انخفض المعدل الفصلي بنحو 0.07 نقطة، وكان التراجع أوضح عند من ينامون أقل من ست ساعات.
الدراسة ترصد ارتباطا ولا تزعم أن النوم وحده يصنع الدرجة، لكنها تقول شيئا مهما: النوم لم يعد تفصيلا جانبيا في معادلة التحصيل. والسبب أن النوم ليس استراحة من التعلم، بل جزء منه. مراجعة منهجية أخرى نشرت في مجلة Psychological Bulletin عام 2021 جمعت دراسات خمسة عقود، ووجدت أن الحرمان من النوم قبل التعلم يضعف القدرة على تكوين ذكريات جديدة بأثر متوسط إلى كبير. أي أن الطالب الذي سهر البارحة يذاكر اليوم بذهن أقل قدرة على استقبال المعلومات، وينقطع انتباهه في اللحظة التي يحتاج فيها إلى قراءة السؤال بتأنٍ.
كما أن مراجعة منهجية في مجلة Sleep Medicine Reviews عام 2024، وجدت أن الخطر الحقيقي يكمن في التراكم. فحين نام المشاركون ست ساعات فقط لأسبوعين، تراجع أداؤهم الذهني بما يعادل ليلتين كاملتين بلا نوم، والأخطر أنهم لم يشعروا بذلك تقريبا، فإحساسهم بالنعاس استقر بعد الأيام الأولى بينما ظل أداؤهم يتدهور.
والقهوة لا تسدد هذا الدين، فحين يتأخر النوم، يأتي الكافيين ليقترض من الغد. فقد وجدت دراسة بحثية نشرت عام 2023 أن الكافيين يقلص النوم بنحو 45 دقيقة ويخفض كفاءته بنحو 7%. ولذلك اقترح الباحثون أن يكون آخر كوب نتناوله قبل النوم بنحو تسع ساعات.
أما مشروبات الطاقة فهي حكاية أثقل. ففي مراجعة منهجية في مجلة PublicHealth عام 2024، شملت 57 دراسة وأكثر من 1.2 مليون طفل وشاب حتى سن الحادية والعشرين. ربطت هذه المراجعة استهلاك مشروبات الطاقة بقصر النوم وسوء جودته، وانخفاض الأداء الدراسي، ومعدلات أعلى من القلق والتوتر والاكتئاب.
وفي النهاية، لا يجوز أن نلقي باللوم كله على الطالب. فحين يختزل جهد فصل كامل في أيام معدودة؛ تتكدس فيها الاختبارات وتسليم التكاليف والمتطلبات، فلا ينبغي أن نستغرب الطرق التي يهرب بها الطلاب من هذا الضغط. فما الذي يمنع أن يوزع التقييم على الفصل كله بدل تكديسه في أسابيعه الأخيرة؟
كما لا بد من مبادرات توعوية لا تكتفي بالتحذير، بل تشرح ببساطة لماذا تخذل المنبهات صاحبها في اللحظة التي يحتاج فيها إلى صفاء ذهنه. ولا بد أن تتحول مكاتب الإرشاد الطلابي إلى عيون بصيرة تلتقط علامات القلق والإنهاك مبكرا، بمساعدة أعضاء هيئة تدريس يعرفون كيف تبدو هذه العلامات. وأن يعرف كل طالب، منذ اليوم الأول، إلى أين يتجه إذا بدأت أجواء الاختبارات تفسد نومه ويومه قبل أن يصل إلى الحافة.
أما من جهة الطالب، فعليه أن يعامل النوم كبند في خطة المذاكرة لا وقتا يقتطع منها. وألا يقل نومه عن سبع ساعات وفقا لتوصيات جمعيات طب النوم، وأن يدرك أن المذاكرة الموزعة على أسابيع هي أثبت في الذاكرة من حشو الليلة الأخيرة. وأن يخطط مسبقا بحيث تكون ليلة الاختبار مخصصة لمراجعة خفيفة فقط ونوم حسب الموعد المعتاد. كما يمكن للطالب اتخاذ إجراءات احترازية مثل تحديد ساعة معينة يغلق بعدها تنبيهات مجموعات الواتساب، لأن مقارنات آخر اليوم لن تضيف في الغالب معلومة، بل فقط قلقا يسرق نومه.
وللأسرة مساحة صغيرة لكنها مؤثرة. فبدلا من السؤال المتكرر نهاية اليوم «بشر؛ خلصت دراسة؟»، يمكن أن يحيطوا الأبناء برعاية دافئة تعزز أهمية أخذ قسط كاف من النوم، والانتباه لمستويات الكافيين والمنبهات التي يستهلكونها للبقاء ساهرين.
أما بوصفي صيدلانية، فأحب أن تظل للقهوة مكانتها كمتعة يومية. لكن يهمني أكثر أن ننتبه إلى اللحظة التي يصبح فيها كل شعور بالتعب إشارة لإعداد كوب آخر.
HibahAldosari@