عقيدة «عجائز نيسابور».. أو ترف المعرفة البسيطة!
الثلاثاء، ٣ نوفمبر ٢٠٢٦
ثمة مفارقة عجيبة تسكن تاريخ الوعي الإنساني، فكلما أوغل المرء في تعقيد المفاهيم وتشقيق النظريات وتكديس الفلسفات ابتعد بالقدر ذاته عن جوهر الأشياء وحقيقتها الأولى، وكأن كثرة التفسير حجاب على المعنى وكثرة التنظير للفضيلة قيد يعيق ممارستها. إن المعرفة في أصفى صورها وأصدق تجلياتها لم تكن يوما حكرا على المتقعرين في بطون المتون بل كانت دائما هناك في البداهة الفطرية وفي المعرفة البسيطة الخالية من الشوائب والتكلف.
ولعل المشهد الأبلغ الذي يختزل هذا الفهم الفطري العميق هو ما سطره التاريخ في معركة اليرموك حين جرح عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأشرفوا على الهلاك عطشا، لم يكن بين أيديهم مدونات في "فلسفة الأخلاق" ولا أطروحات أكاديمية في "سيكولوجية الإيثار" بل كانت لديهم معرفة بسيطة وحقيقية بمعنى الأخوة والمروءة التي صقلها الإسلام. قدمت شربة الماء للأول فنظر إلى صاحبه الذي يئن من الظمأ وقال "ادفعها إليه" فلما وصلت للثاني أشار بها للثالث وما عاد الساقي بها إلى الأول إلا وقد فاضت أرواحهم جميعا إلى بارئها.
تلك الشربة التي دارت على شفاه المحتضرين ولم يذقها أحد منهم كانت في ميزان القيم هي "غاية الرفاهية" رفاهية الروح التي استغنت عن حظوظ النفس في أحلك لحظات الاحتضار وارتقت إلى ذروة الجود بالنفس. لقد أدركوا المعنى الحقيقي للوجود والفضيلة ببساطة متناهية فمارسوه فعلا خالدا بينما يعجز إنسان العصر الحديث المحاط بآلاف الكتب والمحاضرات عن التنمية الذاتية والمسؤولية الاجتماعية عن التنازل عن أبسط امتيازاته في سبيل غيره!
هذا المأزق المعرفي الذي يتحول فيه التبحر المفرط إلى متاهة تحجب النور الفطري هو ما أدركه كبار أئمة الكلام والفلسفة في الحضارة الإسلامية بعد أن قطعوا شوطا طويلا في الجدل العقلي والتشقيق المنطقي، فهذا إمام الحرمين أبو المعالي الجويني بعد أن خاض بحور علم الكلام وبلغ فيه الذروة التي لم يبلغها أقرانه، يقف في نهاية المطاف وقفة المتأمل المستبصر ليطلق عبارته الشهيرة التي هزت أركان المتكلمين "لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور!"
وشبيه بذلك ما نقل عن فخر الدين الرازي وشمس الدين الشهرستاني وغيرهما من أساطين النظر العقلي حين أدركوا بعد طول ترحال في القضايا المنطقية المعقدة أن اليقين الذي تملكه امرأة عجوز في "نيسابور" بفطرتها النقية وإيمانها البسيط الصافي هو أرسخ قدما وأعمق أثرا وأقرب إلى الحقيقة من مجلدات الجدل التي أفنوا أعمارهم في تصنيفها.
إن "عقيدة عجائز نيسابور" ليست دعوة إلى الجهل أو تهميش العقل كما قد يتوهم القارئ السطحي، بل هي ذروة الوعي حين يكتشف الإنسان زيف التعقيد، إنها العودة إلى "الأصل" بعد اكتشاف سراب "الهوامش"، فالمعرفة البسيطة للأشياء هي المعرفة الحقيقية لأنها تلامس الجوهر مباشرة دون وسطاء من الفلسفات المتورمة.
في زماننا هذا تضخمت القواميس وتقزمت الأفعال؛ أصبحنا نمتلك آلاف المصطلحات لتعريف المروءة والشهامة والكرم والزهد والانتماء والحمية لكننا فقدنا عفوية الممارسة التي كانت تجري في عروق أسلافنا مجرى الدم. لقد حولنا القيم من "سلوك فطري بسيط" إلى "ظاهرة صوتية وبصرية" معقدة تحتاج إلى لجان ومنصات وعدسات توثيق وتنظيرات لا تنتهي.
إن الإنسان حين يتجرد من أثقال التكلف ويعود إلى بساطة الفطرة الأولى يبصر الحقائق عارية من الزيف، يدرك أن الكرم ليس في موائد التباهي بل في قدح ماء يؤثر به أخاه في الرمق الأخير، وأن الإيمان ليس في التقعر الجدلي بل في طمأنينة القلب وسلامة الصدر، وأن الحكمة كل الحكمة تكمن في تلك المعرفة البسيطة التي تجعل من القيمة فعلا يعاش لا تنظيرا يقال.
ولعل المشهد الأبلغ الذي يختزل هذا الفهم الفطري العميق هو ما سطره التاريخ في معركة اليرموك حين جرح عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأشرفوا على الهلاك عطشا، لم يكن بين أيديهم مدونات في "فلسفة الأخلاق" ولا أطروحات أكاديمية في "سيكولوجية الإيثار" بل كانت لديهم معرفة بسيطة وحقيقية بمعنى الأخوة والمروءة التي صقلها الإسلام. قدمت شربة الماء للأول فنظر إلى صاحبه الذي يئن من الظمأ وقال "ادفعها إليه" فلما وصلت للثاني أشار بها للثالث وما عاد الساقي بها إلى الأول إلا وقد فاضت أرواحهم جميعا إلى بارئها.
تلك الشربة التي دارت على شفاه المحتضرين ولم يذقها أحد منهم كانت في ميزان القيم هي "غاية الرفاهية" رفاهية الروح التي استغنت عن حظوظ النفس في أحلك لحظات الاحتضار وارتقت إلى ذروة الجود بالنفس. لقد أدركوا المعنى الحقيقي للوجود والفضيلة ببساطة متناهية فمارسوه فعلا خالدا بينما يعجز إنسان العصر الحديث المحاط بآلاف الكتب والمحاضرات عن التنمية الذاتية والمسؤولية الاجتماعية عن التنازل عن أبسط امتيازاته في سبيل غيره!
هذا المأزق المعرفي الذي يتحول فيه التبحر المفرط إلى متاهة تحجب النور الفطري هو ما أدركه كبار أئمة الكلام والفلسفة في الحضارة الإسلامية بعد أن قطعوا شوطا طويلا في الجدل العقلي والتشقيق المنطقي، فهذا إمام الحرمين أبو المعالي الجويني بعد أن خاض بحور علم الكلام وبلغ فيه الذروة التي لم يبلغها أقرانه، يقف في نهاية المطاف وقفة المتأمل المستبصر ليطلق عبارته الشهيرة التي هزت أركان المتكلمين "لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور!"
وشبيه بذلك ما نقل عن فخر الدين الرازي وشمس الدين الشهرستاني وغيرهما من أساطين النظر العقلي حين أدركوا بعد طول ترحال في القضايا المنطقية المعقدة أن اليقين الذي تملكه امرأة عجوز في "نيسابور" بفطرتها النقية وإيمانها البسيط الصافي هو أرسخ قدما وأعمق أثرا وأقرب إلى الحقيقة من مجلدات الجدل التي أفنوا أعمارهم في تصنيفها.
إن "عقيدة عجائز نيسابور" ليست دعوة إلى الجهل أو تهميش العقل كما قد يتوهم القارئ السطحي، بل هي ذروة الوعي حين يكتشف الإنسان زيف التعقيد، إنها العودة إلى "الأصل" بعد اكتشاف سراب "الهوامش"، فالمعرفة البسيطة للأشياء هي المعرفة الحقيقية لأنها تلامس الجوهر مباشرة دون وسطاء من الفلسفات المتورمة.
في زماننا هذا تضخمت القواميس وتقزمت الأفعال؛ أصبحنا نمتلك آلاف المصطلحات لتعريف المروءة والشهامة والكرم والزهد والانتماء والحمية لكننا فقدنا عفوية الممارسة التي كانت تجري في عروق أسلافنا مجرى الدم. لقد حولنا القيم من "سلوك فطري بسيط" إلى "ظاهرة صوتية وبصرية" معقدة تحتاج إلى لجان ومنصات وعدسات توثيق وتنظيرات لا تنتهي.
إن الإنسان حين يتجرد من أثقال التكلف ويعود إلى بساطة الفطرة الأولى يبصر الحقائق عارية من الزيف، يدرك أن الكرم ليس في موائد التباهي بل في قدح ماء يؤثر به أخاه في الرمق الأخير، وأن الإيمان ليس في التقعر الجدلي بل في طمأنينة القلب وسلامة الصدر، وأن الحكمة كل الحكمة تكمن في تلك المعرفة البسيطة التي تجعل من القيمة فعلا يعاش لا تنظيرا يقال.