يرفض أن يموت.. عن الوفاء حين يصبح الإنسان هو السؤال
الاثنين، ٢ نوفمبر ٢٠٢٦
رأيت فيلماً أصابني بالهلع!
نعم، بالهلع، لا لأن فيه مشاهد مرعبة، ولا لأن الموت كان بطله، ولا لأن أحداثه حملت ما يفوق قدرة النفس على الاحتمال، وإنما لأنني رأيت فيه من الصدق ما أخافني، ومن العمق ما هزني، ومن الواقعية ما جعلني أشعر أنني لا أشاهد فيلماً، بل أطل من نافذة مفتوحة على عالمنا، أرى فيه شيئاً من الحقيقة التي نحاول أحياناً أن نتجنب النظر إليها.
كان الإخراج مدهشاً في قدرته على ترك المشهد يتحدث دون افتعال، وكانت الكاميرا تعرف أين تقف، ومتى تقترب، ومتى تترك للمسافة أن تقول ما تعجز عنه الكلمات. أما الموسيقى، فلم تكن مجرد خلفية تصاحب الأحداث، بل بدت كأنها صوت خفي لما لم تستطع الشخصيات أن تنطق به، وكأنها تتسلل من الشاشة لتوقظ في داخلي وجعاً لم أكن أعرف أنه ينتظر تلك اللحظة كي يستيقظ.
كل شيء كان يقول إنني أمام عمل فني متقن، لكن شيئاً آخر كان يحدث في داخلي، شيئاً لم يكن للإخراج وحده، ولا للتصوير، ولا للموسيقى، أن يصنعه لولا أن الموضوع نفسه أصاب موضعاً حساساً في روحي.
كنت أشاهد، ثم وجدتني أشارك في المشهد. لم أعد متفرجاً يجلس أمام شاشة، بل أصبحت شاهداً على حكاية تتجاوز حدودها، وتخرج من إطارها لتضعني في مواجهة سؤال لا أستطيع الهرب منه.
كيف وصلنا إلى هنا؟
كيف وصلنا إلى زمن نبحث فيه عن بعض ما فقدناه من إنسانيتنا في كائن لا يتكلم لغتنا، ولا يعرف من فلسفة الحياة شيئاً، لكنه يفعل أمام أعيننا ما يجعلنا نعيد النظر في أنفسنا؟
لم تكن الحكاية، في ظاهرها، سوى حكاية كلب وصاحبه، لكن ما رأيته لم يكن عن كلب فحسب. كان عن الإنسان حين يمنح الحب، وعن الإنسان حين يتخلى عنه، وعن ذلك الخيط الخفي الذي يربط كائناً بمن أحبه، حتى بعد أن يصبح هذا الحب ألماً لا يعرف كيف يتخلص منه.
كان عن الوفاء.
تلك الكلمة التي اعتدنا أن نضعها في الخطب، ونزين بها القصائد، ونستحضرها كلما أردنا أن نصف علاقة جميلة، ثم نمضي في حياتنا وكأنها فضيلة إضافية، لا واحدة من الدعائم التي لا تستقيم إنسانيتنا من دونها.
ولكن، ماذا يحدث حين يصبح الوفاء نادراً إلى الحد الذي يجعلنا نبحث عنه في غير الإنسان؟
ماذا يحدث حين نرى كلباً يتمسك بعلاقته، بينما نرى بشراً يتخلون عن علاقاتهم عند أول اختبار، أو ينسون من أحسن إليهم بمجرد أن تتغير حاجتهم إليهم؟
وهل المشكلة في أن هذا الكائن وفيّ، أم في أننا أصبحنا، نحن البشر، أكثر حاجة إلى أن نتذكر معنى الوفاء؟
لم أستطع أن أفصل ما رأيته على الشاشة عما أراه في الحياة.
في زمن الخذلان، لم يعد الغياب وحده هو ما يؤلمنا، بل ما يكشفه الغياب من حقائق. لم يعد السؤال كم من الناس حولنا، بل كم منهم يبقى حين لا يعود في بقائنا معه نفع له. لم تعد كثرة العلاقات دليلاً على غنى الحياة، ولا كثرة الكلمات دليلاً على صدق المشاعر.
لقد تقدم العالم، واتسعت معرفتنا، وتضاعفت قدرتنا على الاتصال، لكن شيئاً في علاقاتنا أخذ يضيق. صرنا أقرب إلى بعضنا بالوسائل، وأبعد بالقلوب؛ نعرف أخبار البعيد، وقد نجهل وجع القريب، ونتحدث كثيراً عن الحب، ثم نعجز أحياناً عن أبسط أفعاله: أن نبقى.
ولم يكن ما أقلقني أن أرى كلباً وفياً، بل أن أجد نفسي أسأل: لماذا أوجعني هذا الوفاء إلى هذا الحد؟
ربما لأنني لم أر فيه حباً لحيوان فحسب، بل رأيت فيه مرآة لشيء نفتقده، أو نخشى أن نفقده، أو نتمنى لو ظل حاضراً في عالمنا كما كان ينبغي له أن يكون.
وربما لأن المشهد وضعني أمام حقيقة لا تحتاج إلى برهان: أن الوفاء لا يقاس بما نقوله حين تكون العلاقة في أوج جمالها، بل بما نفعله حين تصبح مسؤولية، وحين يحتاج إلينا من وثق بنا، وحين يصبح بقاؤنا إلى جوار من نحب أثقل من رغبتنا في الرحيل.
أغلقت المشهد، لكن المشهد لم يغادرني.
بقيت عيناي معلقتين بما رأيت، وبقي السؤال يتحرك داخلي، وبقي ذلك الشعور الغريب بأنني لم أشاهد حكاية انتهت، بل بدأت حكاية أخرى في داخلي، حكاية لا تخص الكلب وحده، ولا صاحبه وحده، ولا الصبي الذي عاد إليه الكلب، وإنما تخصنا جميعاً.
حكاية الإنسان الذي يخذل، والإنسان الذي ينتظر، والإنسان الذي ربما يجد في فرصة جديدة ما يعيد إليه ثقته بالعالم.
وهنا أدركت أنني لا أريد أن أكتب مراجعة لفيلم، ولا أن أصف مشاهد أعجبتني، ولا أن أعدد عناصر فنية نجحت في التأثير بي.
أريد أن أكتب عن ذلك الذي بقي بعد المشاهدة.
عن الوفاء حين يصبح امتحاناً للإنسان.
عن الخذلان حين يصدر ممن كان يفترض أن يكون مصدر الأمان.
وعن كائن يرفض، بطريقته الصامتة، أن يجعل ما تعرض له نهاية لكل ما آمن به.
أريد أن أكتب عن كلب، لكنني أخشى أن تنتهي بي الكتابة إلى الإنسان.
فهل كان الكلب هو الذي يرفض أن يموت، أم أن شيئاً من إنسانيتنا هو الذي كان يستغيث، ويرفض أن يموت؟
نعم، بالهلع، لا لأن فيه مشاهد مرعبة، ولا لأن الموت كان بطله، ولا لأن أحداثه حملت ما يفوق قدرة النفس على الاحتمال، وإنما لأنني رأيت فيه من الصدق ما أخافني، ومن العمق ما هزني، ومن الواقعية ما جعلني أشعر أنني لا أشاهد فيلماً، بل أطل من نافذة مفتوحة على عالمنا، أرى فيه شيئاً من الحقيقة التي نحاول أحياناً أن نتجنب النظر إليها.
كان الإخراج مدهشاً في قدرته على ترك المشهد يتحدث دون افتعال، وكانت الكاميرا تعرف أين تقف، ومتى تقترب، ومتى تترك للمسافة أن تقول ما تعجز عنه الكلمات. أما الموسيقى، فلم تكن مجرد خلفية تصاحب الأحداث، بل بدت كأنها صوت خفي لما لم تستطع الشخصيات أن تنطق به، وكأنها تتسلل من الشاشة لتوقظ في داخلي وجعاً لم أكن أعرف أنه ينتظر تلك اللحظة كي يستيقظ.
كل شيء كان يقول إنني أمام عمل فني متقن، لكن شيئاً آخر كان يحدث في داخلي، شيئاً لم يكن للإخراج وحده، ولا للتصوير، ولا للموسيقى، أن يصنعه لولا أن الموضوع نفسه أصاب موضعاً حساساً في روحي.
كنت أشاهد، ثم وجدتني أشارك في المشهد. لم أعد متفرجاً يجلس أمام شاشة، بل أصبحت شاهداً على حكاية تتجاوز حدودها، وتخرج من إطارها لتضعني في مواجهة سؤال لا أستطيع الهرب منه.
كيف وصلنا إلى هنا؟
كيف وصلنا إلى زمن نبحث فيه عن بعض ما فقدناه من إنسانيتنا في كائن لا يتكلم لغتنا، ولا يعرف من فلسفة الحياة شيئاً، لكنه يفعل أمام أعيننا ما يجعلنا نعيد النظر في أنفسنا؟
لم تكن الحكاية، في ظاهرها، سوى حكاية كلب وصاحبه، لكن ما رأيته لم يكن عن كلب فحسب. كان عن الإنسان حين يمنح الحب، وعن الإنسان حين يتخلى عنه، وعن ذلك الخيط الخفي الذي يربط كائناً بمن أحبه، حتى بعد أن يصبح هذا الحب ألماً لا يعرف كيف يتخلص منه.
كان عن الوفاء.
تلك الكلمة التي اعتدنا أن نضعها في الخطب، ونزين بها القصائد، ونستحضرها كلما أردنا أن نصف علاقة جميلة، ثم نمضي في حياتنا وكأنها فضيلة إضافية، لا واحدة من الدعائم التي لا تستقيم إنسانيتنا من دونها.
ولكن، ماذا يحدث حين يصبح الوفاء نادراً إلى الحد الذي يجعلنا نبحث عنه في غير الإنسان؟
ماذا يحدث حين نرى كلباً يتمسك بعلاقته، بينما نرى بشراً يتخلون عن علاقاتهم عند أول اختبار، أو ينسون من أحسن إليهم بمجرد أن تتغير حاجتهم إليهم؟
وهل المشكلة في أن هذا الكائن وفيّ، أم في أننا أصبحنا، نحن البشر، أكثر حاجة إلى أن نتذكر معنى الوفاء؟
لم أستطع أن أفصل ما رأيته على الشاشة عما أراه في الحياة.
في زمن الخذلان، لم يعد الغياب وحده هو ما يؤلمنا، بل ما يكشفه الغياب من حقائق. لم يعد السؤال كم من الناس حولنا، بل كم منهم يبقى حين لا يعود في بقائنا معه نفع له. لم تعد كثرة العلاقات دليلاً على غنى الحياة، ولا كثرة الكلمات دليلاً على صدق المشاعر.
لقد تقدم العالم، واتسعت معرفتنا، وتضاعفت قدرتنا على الاتصال، لكن شيئاً في علاقاتنا أخذ يضيق. صرنا أقرب إلى بعضنا بالوسائل، وأبعد بالقلوب؛ نعرف أخبار البعيد، وقد نجهل وجع القريب، ونتحدث كثيراً عن الحب، ثم نعجز أحياناً عن أبسط أفعاله: أن نبقى.
ولم يكن ما أقلقني أن أرى كلباً وفياً، بل أن أجد نفسي أسأل: لماذا أوجعني هذا الوفاء إلى هذا الحد؟
ربما لأنني لم أر فيه حباً لحيوان فحسب، بل رأيت فيه مرآة لشيء نفتقده، أو نخشى أن نفقده، أو نتمنى لو ظل حاضراً في عالمنا كما كان ينبغي له أن يكون.
وربما لأن المشهد وضعني أمام حقيقة لا تحتاج إلى برهان: أن الوفاء لا يقاس بما نقوله حين تكون العلاقة في أوج جمالها، بل بما نفعله حين تصبح مسؤولية، وحين يحتاج إلينا من وثق بنا، وحين يصبح بقاؤنا إلى جوار من نحب أثقل من رغبتنا في الرحيل.
أغلقت المشهد، لكن المشهد لم يغادرني.
بقيت عيناي معلقتين بما رأيت، وبقي السؤال يتحرك داخلي، وبقي ذلك الشعور الغريب بأنني لم أشاهد حكاية انتهت، بل بدأت حكاية أخرى في داخلي، حكاية لا تخص الكلب وحده، ولا صاحبه وحده، ولا الصبي الذي عاد إليه الكلب، وإنما تخصنا جميعاً.
حكاية الإنسان الذي يخذل، والإنسان الذي ينتظر، والإنسان الذي ربما يجد في فرصة جديدة ما يعيد إليه ثقته بالعالم.
وهنا أدركت أنني لا أريد أن أكتب مراجعة لفيلم، ولا أن أصف مشاهد أعجبتني، ولا أن أعدد عناصر فنية نجحت في التأثير بي.
أريد أن أكتب عن ذلك الذي بقي بعد المشاهدة.
عن الوفاء حين يصبح امتحاناً للإنسان.
عن الخذلان حين يصدر ممن كان يفترض أن يكون مصدر الأمان.
وعن كائن يرفض، بطريقته الصامتة، أن يجعل ما تعرض له نهاية لكل ما آمن به.
أريد أن أكتب عن كلب، لكنني أخشى أن تنتهي بي الكتابة إلى الإنسان.
فهل كان الكلب هو الذي يرفض أن يموت، أم أن شيئاً من إنسانيتنا هو الذي كان يستغيث، ويرفض أن يموت؟