الرأي

هل أصبحت الرياضيات من الماضي؟


بعد إعلان OpenAI عن حلها لإحدى مسائل جائزة الألفية «المليونية» في الرياضيات، جاء إعلان آخر أكثر صدمة للأوساط العلمية: فقد نشر أكثر من سبعمئة حل لمسائل رياضية قائمة أنتجها الذكاء الاصطناعي، وأتيحت للاطلاع والفحص. وبين الانبهار بهذه الإنجازات والقلق مما تحمله، تبرز قضية تستحق التوقف: هل نحن نخاطر بالفهم البشري؟!

تبعا لهذه الإنجازات في عالم الرياضيات لم يكتسب الفهم البشري شيئا. في الماضي حين يتمكن عالم رياضيات من تقديم حلولٍ جديدة أو إثباتات فإنه يشارك في الندوات وينشر هذا الفهم الجديد ويتمكن البقية من تطبيق هذا الفهم الجديد في مجالات مجاورة تبعا لهذا الإنجاز.

وهنا يأتي التساؤل: هل أصبحت الرياضيات من الماضي؟ بل ما الغرض من تعلمها وفهمها إذا أصبحت الآلة تحل مسائل أعجزت العلماء؟ وما وظيفة عالم الرياضيات إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع تقديم الحلول والإثباتات أسرع منه؟

أسئلة تبدو مستفزة، لكنها تستحق التأمل. فقد وضعت هذه التطورات الرياضيات تحت المجهر، بينما تعيش تخصصات ووظائف كثيرة القلق ذاته. الجميع يحاول اكتشاف موقعه في عالم تتقدم فيه قدرات الآلة، وتختلط فيه مشاعر الخوف بالتفاؤل والرغبة في التكيف الفعال مع هذا القادم الجديد.

لنتخيل المشهد بعد عشر سنوات. تطور الذكاء الاصطناعي، وأصبح يضع نظريات جديدة في الفيزياء والرياضيات، لكن فهمنا البشري لم يواكب سرعته. طلبنا منه تصميم مفاعل نووي أو طائرة اعتمادا على تلك النظريات، فقدم لنا تصميما لم يسبق له مثيل.
المشكلة أننا لا نفهم لماذا يعمل، ولا متى قد يفشل.

هل سنركب تلك الطائرة؟ وهل سنقبل إنشاء ذلك المفاعل بالقرب من مدننا، لمجرد أن النظام الذي صممه يؤكد أنه آمن؟
عندما تصبح أرواح البشر على المحك، تتضح قيمة الفهم. فنحن نحتاج إلى معرفة أسباب النجاح وحدود الأمان، وإلى القدرة على اكتشاف الخطأ والتعامل معه. وحتى لو راجع نظام آخر التصميم وأقره، يبقى السؤال: هل نملك نحن القدرة على الحكم؟

هنا يظهر دور العلماء والمهندسين. فعملهم يتجاوز إنتاج الإجابات إلى تفسيرها واختبارها وربطها بالواقع. وقد يمنحنا الذكاء الاصطناعي نتائج أسرع مما نستطيع استيعابها، فتزداد حاجتنا إلى من يحول هذه النتائج إلى معرفة نفهمها ونحسن استخدامها.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الأول: لماذا نتعلم الرياضيات؟ لأن قيمتها تمتد من طريقة التفكير، وصياغة الأسئلة، وفهم العلاقات، وتمييز ما يمكن الوثوق به. والحصول على إجابة، مهما كانت مبهرة، لا يمنحنا القدرة على اتخاذ قرار سليم بشأنها. فمع الفهم البشري للقضية يأتي الحكم على التأكدية والتجاوزات والتبسيط في هذه الحلول.

قد تتسع الفجوة إذا اعتدنا الحصول على الإجابات وتخلينا عن محاولة فهمها. عندها يصبح الخطر في أن تتراجع القدرة البشرية على مراجعة ما تنتجه الآلة، وأن نفقد المعرفة التي تمكننا من مساءلتها وتصحيحها، وهو أمر ليس بالبعيد في الواقع.

تفتح هذه التطورات آفاقا هائلة، لكنها تضع أمامنا مسؤولية كبيرة أيضا. فشركات الذكاء الاصطناعي تتسابق لتطوير قدرات أنظمتها، وعلى المجتمع العلمي أن يطور معها أدوات الفحص والفهم ونشر الوعي عن طريق منظوماتنا التعليمية بالاستخدام الصحيح والفعال لهذه الأدوات.

قد يتغير دور الإنسان في هذا المشهد، لكن مسؤوليته عن قراراته تبقى. ولعل التحدي الأكبر في السنوات المقبلة سيكون كيف نحافظ على قدرتنا على الفهم والاختيار، ونحن نستعين بذكاء يتجاوزنا في بعض المهام.

الرياضيات لم تصبح من الماضي، لكن علاقتنا بها، وبالمعرفة عموما، تدخل مرحلة جديدة؛ مرحلة تتطلب أن نسأل الأسئلة الصحيحة، في الوقت الصحيح.