حين يفاوض وزير الدفاع
السبت، ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦
في زيارة الأمير خالد بن سلمان إلى طهران، تستحق صفة الزائر اهتماماً يوازي وجهة الزيارة. فحضور وزير الدفاع إلى طاولة تناقش خفض التصعيد يضع أمامنا علاقة كثيراً ما يساء فهمها: العلاقة بين القوة والتفاوض. وإذا كانت الدبلوماسية تبحث عن تغيير الحسابات، فإن معرفة كلفة المواجهة وحدودها جزء أساسي من هذا البحث.
وقد شارك في اجتماع طهران، إلى جانب وزير الدفاع السعودي، رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين، ممثلين عن دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك. لهذه التركيبة دلالة محتملة: أن الحوار يتصل بتقديرات أمنية وبقدرة على التنسيق بين شركاء، لكنها لا تكفي للجزم بمضمون الرسائل المغلقة، أو بافتراض تهديدات لم تُعلن.
الردع، في جوهره، محاولة لإقناع الطرف المقابل بأن الاعتداء لن يحقق له المكسب الذي يتصوره. ولكي تنجح هذه المحاولة، يحتاج إلى فهم حدودك، وإلى معرفة ما الذي يتيح تجنب المواجهة. الغموض الكامل قد يدفعه إلى سوء الحساب، كما أن التهديد الذي لا يترك مخرجاً قد يرفع احتمال المجازفة. هنا تصبح المحادثة وسيلة لضبط استخدام القوة.
وللتاريخ مثال مباشر: في عام 1967، كان حلف شمال الأطلسي يواجه الاتحاد السوفيتي وحلفاءه في الحرب الباردة. ومع ذلك، اعتمد في تقرير هارمل سياسة تجمع بين الاحتفاظ بقوة عسكرية تردع الهجوم، والسعي إلى الحوار مع الخصم لتخفيف التوتر. أي إن دول الحلف لم تشترط أن يصبح السوفييت أصدقاء كي تتفاوض معهم، ولم تتخلَّ عن دفاعاتها كي تفتح باب التفاوض. كانت القوة تحمي الحوار، والحوار يساعد على تجنب استخدام القوة.
على هذا الأساس، يمكن فهم تحرك السعودية وشركائها نحو طهران باعتباره محاولة لتحويل التنسيق الدفاعي إلى تأثير سياسي. فإذا استطاع هذا التنسيق أن يسهم في منع اعتداء أو تخفيض احتماله، يكون قد حقق جزءاً من غايته. حصر قيمة الاتفاقيات الدفاعية في لحظة إطلاق النار يغفل وظيفتها السابقة على الحرب: التأثير في قرار من يفكر في إشعالها.
وتبرز هنا فائدة الاتصال المباشر: تقليل سوء تفسير الإشارات. ففي الأزمات، قد يقرأ طرف الاستعداد الدفاعي بوصفه مقدمة للهجوم، ويرى آخر ضبط النفس دليلاً على غياب الإرادة. إيضاح الحدود والمصالح يمكن أن يقلص هذين الخطأين. وهذه فائدة قائمة حتى عندما تبقى الخلافات الأساسية دون حل، لأن منع حادث من التحول إلى مواجهة واسعة مكسب أمني بذاته.
لكن للدبلوماسية شروطاً حتى تخدم الردع. ينبغي أن تكون المطالب قابلة للفهم، وأن تتصل الوعود بأفعال يمكن رصدها، وأن يعرف الطرف المقابل أن خفض التصعيد لا يتيح له استئناف التهديد بتكلفة أقل. كما يحتاج الشركاء إلى قدر كافٍ من التفاهم؛ فالرسائل المتعارضة قد تبدد أثر الحضور المشترك، مهما كان مستوى التمثيل.
من هنا تبدو السخرية من زيارة وزير الدفاع مبنية على تصور فقير لوظيفته، كأن مهمته تبدأ حين تفشل جميع البدائل. مسؤولية الدفاع تشمل السعي إلى منع الحرب حين يكون ذلك ممكناً بشروط تحمي الوطن. والاختبار الذي يستحق المتابعة هو مقدار الأمن الذي يمكن أن ينتجه هذا المسار؛ فالقوة تكتسب معناها من أثرها في سلوك الخصم، لا من ارتفاع صوتها.
Abdullah_Yabisi@
وقد شارك في اجتماع طهران، إلى جانب وزير الدفاع السعودي، رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين، ممثلين عن دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك. لهذه التركيبة دلالة محتملة: أن الحوار يتصل بتقديرات أمنية وبقدرة على التنسيق بين شركاء، لكنها لا تكفي للجزم بمضمون الرسائل المغلقة، أو بافتراض تهديدات لم تُعلن.
الردع، في جوهره، محاولة لإقناع الطرف المقابل بأن الاعتداء لن يحقق له المكسب الذي يتصوره. ولكي تنجح هذه المحاولة، يحتاج إلى فهم حدودك، وإلى معرفة ما الذي يتيح تجنب المواجهة. الغموض الكامل قد يدفعه إلى سوء الحساب، كما أن التهديد الذي لا يترك مخرجاً قد يرفع احتمال المجازفة. هنا تصبح المحادثة وسيلة لضبط استخدام القوة.
وللتاريخ مثال مباشر: في عام 1967، كان حلف شمال الأطلسي يواجه الاتحاد السوفيتي وحلفاءه في الحرب الباردة. ومع ذلك، اعتمد في تقرير هارمل سياسة تجمع بين الاحتفاظ بقوة عسكرية تردع الهجوم، والسعي إلى الحوار مع الخصم لتخفيف التوتر. أي إن دول الحلف لم تشترط أن يصبح السوفييت أصدقاء كي تتفاوض معهم، ولم تتخلَّ عن دفاعاتها كي تفتح باب التفاوض. كانت القوة تحمي الحوار، والحوار يساعد على تجنب استخدام القوة.
على هذا الأساس، يمكن فهم تحرك السعودية وشركائها نحو طهران باعتباره محاولة لتحويل التنسيق الدفاعي إلى تأثير سياسي. فإذا استطاع هذا التنسيق أن يسهم في منع اعتداء أو تخفيض احتماله، يكون قد حقق جزءاً من غايته. حصر قيمة الاتفاقيات الدفاعية في لحظة إطلاق النار يغفل وظيفتها السابقة على الحرب: التأثير في قرار من يفكر في إشعالها.
وتبرز هنا فائدة الاتصال المباشر: تقليل سوء تفسير الإشارات. ففي الأزمات، قد يقرأ طرف الاستعداد الدفاعي بوصفه مقدمة للهجوم، ويرى آخر ضبط النفس دليلاً على غياب الإرادة. إيضاح الحدود والمصالح يمكن أن يقلص هذين الخطأين. وهذه فائدة قائمة حتى عندما تبقى الخلافات الأساسية دون حل، لأن منع حادث من التحول إلى مواجهة واسعة مكسب أمني بذاته.
لكن للدبلوماسية شروطاً حتى تخدم الردع. ينبغي أن تكون المطالب قابلة للفهم، وأن تتصل الوعود بأفعال يمكن رصدها، وأن يعرف الطرف المقابل أن خفض التصعيد لا يتيح له استئناف التهديد بتكلفة أقل. كما يحتاج الشركاء إلى قدر كافٍ من التفاهم؛ فالرسائل المتعارضة قد تبدد أثر الحضور المشترك، مهما كان مستوى التمثيل.
من هنا تبدو السخرية من زيارة وزير الدفاع مبنية على تصور فقير لوظيفته، كأن مهمته تبدأ حين تفشل جميع البدائل. مسؤولية الدفاع تشمل السعي إلى منع الحرب حين يكون ذلك ممكناً بشروط تحمي الوطن. والاختبار الذي يستحق المتابعة هو مقدار الأمن الذي يمكن أن ينتجه هذا المسار؛ فالقوة تكتسب معناها من أثرها في سلوك الخصم، لا من ارتفاع صوتها.
Abdullah_Yabisi@