الرأي

«الدوبامين الرقمي» يسرق النوم من عيون الأطفال 


بات كثير من الأطفال يضحون بساعات نومهم دون إدراك لحجم التأثيرات التي قد تترتب على ذلك، وهو ما بدأ ينعكس في صورة أعراض ومشكلات تمس صحتهم ونشاطهم وقدرتهم على التركيز، ومن واقع عملي في العيادة أحرص دائما على سؤال الأطفال عن عدد الساعات التي ينامونها يوميا، وغالبا ما تكشف إجاباتهم عن خلل واضح في نمط نومهم، وعند البحث عن الأسباب نجد أن الاستخدام المفرط للشاشات يقف في مقدمتها، فذلك العالم الرقمي المفتوح بما يقدمه من محتوى ترفيهي متجدد وجاذب يستحوذ على اهتمام الأطفال ويجعلهم يقضون أمامه ساعات طويلة، غير مدركين أنهم يقتطعون من وقت النوم الذي يحتاجه الجسم للنمو والتعافي واستعادة النشاط.

والواقع الذي لا نختلف عليه أن معظم الأطفال بمختلف شرائحهم العمرية أصبحوا يواجهون صعوبة كبيرة في الابتعاد عن الشاشة أو الاستمتاع بالأنشطة اليومية العادية، وهنا يبرز مفهوم «الدوبامين الرقمي» الذي يساعدنا على فهم العلاقة بين الدماغ والمتعة والسلوك في العصر الرقمي، فكما هو معروف طبيا أن الدوبامين مادة كيميائية تعمل ناقلا عصبيا، أي إنها تساعد الخلايا العصبية على التواصل فيما بينها، وله دور مهم في تنظيم الحركة والانتباه والتعلم والتحفيز، كما يشارك في نظام المكافأة في الدماغ، الذي يساعد الإنسان على التعلم من التجارب وتكرار السلوكيات التي يتوقع أن تحقق له منفعة أو متعة، فعندما يحقق الطفل إنجازا أو يتعلم مهارة جديدة أو ينجح في لعبة أو يتلقى التشجيع من والديه تنشط دوائر عصبية مرتبطة بالمكافأة والتعلم، إذ يشارك الدوبامين في هذه العملية ليس باعتباره مادة مسؤولة عن السعادة وحدها، بل بوصفه عنصرا مهما في التحفيز وتوقع المكافأة والتعلم من النتائج.

ولا يعني مصطلح «الدوبامين الرقمي» وجود مادة مختلفة أو تشخيص طبي مستقل، وإنما يستخدم لوصف الطريقة التي تستثير بها الأنشطة الرقمية أنظمة المكافأة في الدماغ، من خلال الإشعارات والنقاط والجوائز الافتراضية والمقاطع المتتابعة والمفاجآت المتكررة، فكلما وجد الأطفال مكافأة سريعة أو محتوى جديدا قد تزداد رغبتهم في الاستمرار، خصوصا عندما لا يعرفون متى ستظهر المكافأة التالية، ومع تكرار هذا النمط قد يصبح الانتقال من متعة فورية إلى نشاط يحتاج إلى الصبر والجهد أكثر صعوبة، لا سيما إذا كانت الشاشات تستهلك جزءا كبيرا من وقت الأطفال ونومهم وتفاعلهم الاجتماعي.

والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن المشكلة ليست في الدوبامين، ولا في استخدام الأجهزة بحد ذاته، بل في اختلال التوازن بين الترفيه الرقمي واحتياجات النمو الطبيعية، فالأطفال يحتاجون إلى اللعب الحر والحركة والنوم الكافي والتواصل مع الأسرة والأصدقاء وممارسة الأنشطة التي تنمي قدرتهم على التركيز والصبر وحل المشكلات، ولكن عندما تصبح الشاشة المصدر الأساسي للمتعة فقد تظهر مجموعة من المؤشرات منها نوبات الغضب عند إيقاف الجهاز، والإلحاح المستمر للحصول عليه، وفقدان الاهتمام بالأنشطة الأخرى، وتأجيل الواجبات، واضطراب النوم، وصعوبة الالتزام بالحدود الزمنية المتفق عليها.

وقد يلاحظ الوالدان أن بعض الأطفال يملون بسرعة من الأنشطة التي لا تقدم مكافأة فورية مثل القراءة أو الرسم أو إنجاز الواجبات المدرسية، لكن من المهم عدم تفسير كل تشتت أو انفعال على أنه نتيجة للشاشات وحدها، فالعمر وطبيعة المحتوى والبيئة الأسرية والنوم والضغوط النفسية ووجود صعوبات نمائية أو سلوكية كلها عوامل قد تؤثر في سلوك الأطفال.

إن التحدي الحقيقي يتمثل في أن الحياة لا تقدم مكافآتها دائما بالسرعة التي تقدمها التطبيقات والألعاب، فالتعلم يحتاج إلى وقت، والنجاح يتطلب المثابرة، والعلاقات الإنسانية تحتاج إلى الإصغاء والصبر، وإذا اعتاد الأطفال الاعتماد على التحفيز السريع وحده، فقد يحتاجون إلى مساعدة أكبر لتعلم إدارة الملل وتأجيل المتعة وإنجاز مسؤولياتهم اليومية.

ولا يكمن الحل في حرمان الأطفال من التكنولوجيا بصورة كاملة، بل في بناء علاقة صحية ومتوازنة معها تقوم على التوجيه وتنظيم الوقت والقدوة الأسرية، ويتطلب ذلك وضع ضوابط واضحة لاستخدام الشاشات، وتجنبها قبل النوم وأثناء الوجبات، مع مراعاة عمر الطفل واحتياجاته، كما ينبغي توفير بدائل ممتعة، مثل الرياضة والقراءة والرسم والألعاب الجماعية والأنشطة الخارجية، وتشجيع الأطفال على إنجاز واجباتهم ومسؤولياتهم قبل الانتقال إلى الترفيه، بما يعزز لديهم الانضباط والشعور بالإنجاز، ومن المهم أيضا تخصيص أوقات عائلية خالية من الأجهزة تتيح الحوار والتواصل المباشر  إلى جانب اختيار محتوى رقمي مناسب لأعمارهم والاستعانة بأدوات الرقابة الأبوية عند الحاجة، وأن يوضح الوالدان للأطفال أن الترفيه الرقمي ليس بديلا عن النوم الكافي والحركة والتفاعل الاجتماعي، فالتوازن هو الأساس لضمان نمو صحي وسليم، وحماية الأطفال من الآثار السلبية للإفراط في استخدام الشاشات.

خلاصة القول، إن التكنولوجيا أداة يمكن أن تثري المعرفة وتنمي المهارات، لكنها لا ينبغي أن تحل محل الحركة والخيال والتجربة المباشرة والعلاقات الإنسانية، فالهدف ليس منع الطفل - كما أشرت - من الشعور بالمتعة، وإنما مساعدته على اكتشاف مصادر متعددة لها، وتعلم الصبر، وتنظيم رغباته، وتحمل مسؤولياته بما يتناسب مع عمره وقدراته، فالطفولة المتوازنة لا تقاس بعدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، بل بقدرته على الاستمتاع بالعالم خارجها، والتعلم منه، والتواصل مع الآخرين، والنمو جسديا ونفسيا واجتماعيا، وهذه المسؤولية تبدأ من الأسرة، وتتطلب تعاون المدرسة والمجتمع، ووعيا أكبر بتأثير البيئة الرقمية في عادات الأطفال وسلوكهم ومستقبلهم.