الرأي

طف النور يا ولد.. من الابتسامة إلى الاستدامة


عبارة تحولت مع الزمن إلى سلوك لفظي ارتبط شرطيا بشخصية المتقاعد، ليبدأ التندر عليه من محيط أسرته وأقاربه وأصدقائه، وكأن أول ما سيفعله بعد تركه العمل أن يطوف بالمنزل ليلا نهارا يتعقب مفاتيح الإضاءة ويطفئها ويردد مقولته «طف النور يا ولد».

هذه الصورة الذهنية لم تأت من فراغ، فالمتقاعد غالبا ما يكون أكثر ملاحظة للتفاصيل المنزلية وأكثر حرصا على الموارد الاستهلاكية والمصروفات الشهرية، بعد رحلة طويلة من الخبرات والمسؤوليات التي اعتاد على متابعتها وتوثيقها.
لكن خلف ذهنية النكتة العامة والتندر الجمعي تكمن حقيقة أعمق تستحق التأمل؛ ذلك السلوك الذي يتم النظر إليه باعتباره مبالغة في الحرص، ليس سوى ممارسة استباقية لمفهوم الاستدامة.

يتم الاحتفال سنويا باليوم العالمي للاستدامة في آخر يوم أربعاء بشهر أكتوبر من كل عام؛ والذي وافق 28 أكتوبر 2026؛ حيث أصبح اليوم أحد أهم التوجهات العالمية للأمم المتحدة التي أطلقته من خلال 17 برنامجا أساسه ثلاث ركائز «البشر وكوكب الأرض وتحقيق الربح»، People-Planet-Profit, 3Ps.

إطفاء المصابيح غير المستخدمة، والتأكد من صنابير المياه، وترشيد الاستهلاك بشكل عام، ليست تصرفات نابعة من البخل كما يصورها البعض، بل هي انعكاس للوعي من خلال هذه الفلسفة القيمية للموارد الطبيعية بضرورة محافظة البشر على مقدراتهم من الطاقة والماء لدوام تحقيق الوفرة لهم ولأجيالهم.

سلوكيات الترشيد التي يتبعها المتقاعدون بعفويتهم وخبراتهم الحياتية، تتبناها كثير من المؤسسات العصرية كممارسات توفيرية؛ فما كان يقال داخل المنازل قبل عقود أصبح اليوم منظومة عمل مؤسسية تمارسها الحكومات والشركات الكبرى والمنظمات الدولية.

يتحدث العالم الآن عن كفاءة الطاقة، والحياد الصفري، لتقليل الانبعاثات الكربونية، وترشيد استهلاك المياه، وتعزيز الاقتصاد الدائري، جميعها تقوم على الفكرة ذاتها التي تختصرها العبارة الشعبية البسيطة «لا تهدر ما لا تحتاجه».

لم تعد الاستدامة مجرد شعار بيئي، بل أصبحت ثقافة متكاملة ترتبط بجودة الحياة وديمومة الموارد لتحقيق التوازن بين الاحتياجات الآنية وحقوق الأجيال القادمة، ولهذا السبب نرى المنظمات العالمية تضع مؤشرات دقيقة لاستهلاك الكهرباء والمياه، وتستثمر الكثير في التقنيات التي تقلل من الهدر وترفع الكفاءة التشغيلية، كما أصبحت فلسفة الترشيد جزءا من معايير التميز المؤسسي والمسؤولية الاجتماعية.

من هذه الزاوية، يمكن النظر للفكر الاستدامي بوصفه خبرة تراكمية لإدراك قيمة النعم المتعددة علينا، وأن الموارد لها حدود وتنضب إذا ما تمت المحافظة عليها والعمل على رعايتها؛ قال تعالى (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) كما قال سبحانه (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه).

«طف النور يا ولد»، رسالة تختصر حكمة أجيال عاشت ظروفا صعبة علمتنا بأن المحافظة على الموارد الطبيعية مسؤولية أخلاقية ومجتمعية تتبناها حوكمة ذاتية لترسيخ ثقافة الاستدامة قبل أن تصبح توجها عالميا بتقديم تقارير مدعمة بشواهد على الامتثال لبرنامج الأمم المتحدة.

Yos123Omar@