الرأي

المدير دوما على حق


كتبت سابقا عن ارتباك من يتولى القيادة لأول مرة. واليوم أعطف على الجانب الآخر من المكتب: الموظف المستجد في الوظيفة، الذي لا يتعلم مهامه فحسب، بل يتم تقييمه كل يوم، ويختبر هو بدوره البيئة التي قدم إليها. والأهم أنه يحاول أن يفهم مديره قبل أن يفهم مهامه، فماذا تعني عبارة «المدير دوما على حق» لمن بدأ لتوه مسيرته المهنية؟

البداية المنصفة أن نتفق: العنوان ليس شهادة عصمة. فالمدير يخطئ كما يصيب، والسلطة لا تمنح صاحبها حكمة تلقائية أو صوابا مطلقا. لكن العبارة تحمل حقيقة صلبة يتجاهلها كثيرون، ويدفع المتهورون ثمن تجاهلها في أشهرهم الأولى: المدير هو من يحدد أولويات دورك ومعايير النجاح فيه، ضمن أهداف المؤسسة وأنظمتها. وهو يرى سياقا لم تصلك تفاصيله بعد؛ ضغوطا من الإدارة العليا، وميزانية لا تعرفها، وهو من يملك تعريف النجاح في هذا الموقع. ولذلك فإن معركة «أنا أصح من مديري» معركة خاسرة حتى لو ربحتها؛ لأن رصيدك في الفترة الأولى لا يبنى على إثبات الخطأ، بل على فهم مديرك ومواءمة إيقاعه وبناء الثقة معه قبل أي شيء آخر.

وقد يساعد الموظف الجديد أن يتذكر أن مديره ليس محصنا، بل يرزح تحت ضغوط هو الآخر. فتقرير غالوب «حالة بيئة العمل العالمية» الصادر عام 2025 أظهر تراجع نسبة المديرين المنخرطين في عملهم من 30% إلى 27%. وأن 42% منهم يعيشون التوتر في أوقات كثيرة، و44% فقط منهم تلقوا تدريبا قياديا على الإدارة. فالمدير الذي يسعى الموظف إلى رضاه قد يكون هو نفسه منهكا، ويبحث عمن يخفف عنه عبئا لا عمن يضيف إليه.

وبالنسبة للعاملين الخاضعين لنظام العمل السعودي بعد تعديلات فبراير 2025، تنص المادة الثالثة والخمسون على منح الموظف المستجد فترة تجربة في العقد وتحديد مدتها بوضوح، على ألا يتجاوز مجموعها مئة وثمانين يوما «بعد أن كانت سابقا 90 يوما»، ولكل من الطرفين حق إنهاء العقد خلالها. أي أن التقييم يجري في الاتجاهين: أنت يتم تقييمك في كل يوم، وأنت تقيم المكان. وفي هذا التقييم المتبادل، أكثر ما يقرأ فيه سلوكك هو علاقتك بمديرك المباشر.

قبل أكثر من أربعة عقود، نشر الباحثان جون غابارو وجون كوتر في مجلة هارفارد بزنس ريفيو مقالهما الشهير «إدارة رئيسك» (Managing Your Boss)، والذي ما زال يعاد نشره حتى اليوم لأن فكرته لم تتقادم أو يعف عليها الزمن. خلاصته أن العلاقة بين الموظف ومديره اعتماد متبادل: المدير يحتاج منك أداء ذا جودة وتعاونا وموثوقية وصدقا، وأنت تحتاج منه وضوحا في الأولويات والموارد وتيسير التواصل المهني في بيئة العمل. ونبه الكاتبان صراحة إلى أن ما يقصدانه ليس التملق ولا المجاملة، بل فهم طريقة عمل المدير وأهدافه، ثم بناء أسلوب تعامل يناسب الطرفين. ومن هنا كانت النصيحة الأشهر في الأدبيات الإدارية: إن كانت العلاقة متعثرة، فالمبادرة إلى إصلاحها فرصة لك وللفريق، ولا تعد تنازلا عن كرامتك.

ويخطئ الموظف الجديد عادة بإحدى طريقتين. إما أن يطيع كل شيء بصمت خوفا من سوء الانطباع، فلا يسأل حين يحتاج إلى السؤال، ويكتشف بعد أسابيع أنه كان يعمل بعيدا عن الأولويات المستهدفة. وإما أن يحاول إثبات جدارته سريعا، فيقترح تغيير الإجراءات وينتقد ما وجده قبل أن يفهم لماذا وجد.
فماذا يفعل الموظف المستجد في هذه الخارطة؟ وفق ما ذكر في كتاب بعنوان «التسعون يوما الأولى» (The First 90 Days)، للكاتب مايكل واتكنز والموجه في الأصل لمن ينتقلون إلى أدوار قيادية، يقترح الكاتب سلسلة من الأحاديث المبكرة مع الرئيس المباشر، وهي تصلح للموظف الجديد أيضا. حديث لفهم كيف يقرأ المدير الوضع الحالي ومشكلاته، وآخر للاتفاق على الأولويات والتوقعات وكيف سيقاس النجاح، وثالث عن الموارد المتاحة. ثم حديث عن الأسلوب: هل يفضل المدير تقريرا مكتوبا مفصلا أم تحديثا شفهيا سريعا؟ هل يريد أن يستشار في التفاصيل أم يكتفي بالنتائج؟ وأخيرا حديث عن نمو الموظف نفسه. ومن القواعد الهامة التي يكررها الكاتب ألا تفاجئ مديرك، وألا تأتيه بالمشكلات وحدها دون اقتراح للحل، وألا تنتظر أن يغير أسلوبه من أجلك. فالمديرون يكرهون الأخبار السيئة، لكنهم يكرهون المفاجآت أكثر.

وتضيف دراسة مرجعية علمية واسعة نشرت مطلع 2025 في مجلة Journal of Management، قادتها تاليا باور وزملاؤها وحللت 256 دراسة عن اندماج الموظفين الجدد، تفصيلا لافتا. فالقبول الاجتماعي داخل الفريق كان من أكثر مؤشرات التكيف ثباتا في ارتباطه بالرضا الوظيفي والالتزام والبقاء، حتى وصفه الباحثون بحجر الأساس. ووجدت الدراسة أن المبادرة الشخصية، كطلب التغذية الراجعة وبناء العلاقات، كانت أكثر تأثيرا في الثقافات الجماعية التي يتسع فيها التدرج الهرمي. والمفارقة هنا أن البيئة التي تبدو كأنها تكافئ الانتظار والصمت هي نفسها التي يصنع فيها السؤال الصادق والمبادرة الهادئة أكبر الفرق.

ولا تنتهي أهمية هذه الأيام بانتهاء فترة التجربة أو العمل في منظومة ما. فقد كتب مستشار في الموارد البشرية مؤخرا عن مشهد يتكرر في تعيينات المناصب القيادية: مرشح ما يتألق في المقابلة، ثم يستبعد قرار تعيينه بعد مكالمة لم يكن طرفا فيها. فصاحب القرار لم يتصل بالمرجعيات المدونة في السيرة الذاتية، بل بمدير سابق عمل معه المرشح، والاستفسار بمجموعة من الأسئلة: كيف كان أداء هذا المرشح تحت الضغط؟ وهل كان العمل معه سهلا؟ ما يبنيه الموظف اليوم مع مديره قد يصبح بعد سنوات جملة واحدة تقال عنه في غيابه وتحسم مسيرته المستقبلية.

ولكن.. ماذا حين لا يكون المدير فعلا على حق؟
هنا يظهر الفاصل أو الحد الذي كثيرا ما تضيع عنده نصائح التأقلم: فعبارة المدير دوما على حق لا تعني عصمة من الخطأ. فالمدير ليس على حق حين يتعلق الأمر بالنزاهة أو السلامة أو الإخلال بالأنظمة أو الإساءة المتكررة. وهنا لا تنفع المجاملة المفتوحة ولا الصمت الدبلوماسي؛ بل التوثيق الدقيق للوقائع، واللجوء إلى القنوات المعتمدة، وطلب الدعم من الموارد البشرية أو مسؤول آخر حين يكون المدير نفسه طرفا في المشكلة. فالتوافق بين طرفين لا يصنعه طرف واحد؛ فإن تبين بعد المحاولة الصادقة أن البقاء يتجاوز قدرة تحملك ويؤثر سلبا على صحتك أو قيمك، أو أن الدعم المرجو لن ينصفك؛ فقد يكون الرحيل الهادئ المدروس قرارا ناضجا لا هزيمة. فترة التجربة صممت لهذا الاحتمال أيضا.

وهنا فقط جملة «المدير دوما على حق» ستفهم من وجهة نظر الموظف أخيرا على حقيقتها. فهي ليست إعلان عصمة، ولا تكليفا بأن تجعل مديرك على حق دوما؛ بل دعوة لأن تساعده على اتخاذ القرار الصحيح: بعمل متقن، ومعلومات دقيقة، واعتراض مسؤول ودبلوماسي حين يلزم. احترام صلاحية القرار لا يعني التنازل عن استقلال الرأي. وأفضل ما تقدمه لمديرك عمل يعتمد عليه، واحترام لمكانته، ورأي صادق يعرف كيف يصل. وأفضل ما تقدمه لنفسك سمعة مهنية جيدة تسبقك إلى كل باب جديد.

HibahAldosari@