هل ينجو الشرق الأوسط من حرب إقليمية شاملة؟
الخميس، ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦لم يعد خطر الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط مجرد احتمال تطرحه مراكز الدراسات أو تحذر منه التصريحات السياسية. فقد كشفت المواجهات العسكرية المباشرة خلال عام 2026 عن تحول خطير في طبيعة الصراع مع إيران. إذ لم تعد المواجهة محكومة بالضرورة بقواعد الاشتباك غير المباشر، التي سادت لسنوات طويلة. بل باتت المنطقة أمام واقع استراتيجي أكثر تعقيدا تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية وتتراجع فيه المسافة الفاصلة بين الردع والتصعيد. ومن هنا يبرز السؤال الأهم. هل تتجه المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة أم أن القوى المتصارعة ما زالت تمتلك القدرة على ضبط المواجهة ومنع تحولها إلى انفجار واسع؟
إن قراءة المشهد من منظور استراتيجي تكشف أن الخطر لا يرتبط بالقوة العسكرية الإيرانية وحدها، بل بطبيعة التفاعل بين ثلاثة أطراف رئيسية هي إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. فكل طرف ينطلق من حسابات أمنية مختلفة ويعتقد أن إظهار القوة ضرورة لحماية مصالحه ومكانته. غير أن المشكلة تكمن في أن ما يراه طرف إجراء دفاعيا قد يفسره الطرف الآخر باعتباره تهديدا يستوجب الرد. وهنا تتشكل إحدى أخطر معضلات الأمن الإقليمي. إذ يمكن أن تتحول الإجراءات الرامية إلى تحقيق الردع إلى أسباب مباشرة لتوسيع الحرب.
ولهذا فإن إيران تدرك أن المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد تحمل تكاليف تتجاوز قدرتها على الاحتمال. لكنها في المقابل تنظر إلى التراجع أمام الضغوط العسكرية بوصفه تهديدا لمكانتها الإقليمية ولمصداقية قدرتها على الردع. ولذلك تحاول الموازنة بين إظهار القوة وتجنب الاستنزاف. وتعتمد في ذلك على قدراتها الصاروخية وموقعها الجغرافي وعلاقاتها مع أطراف مسلحة في المنطقة. إلا أن هذه الأدوات تحمل تناقضا استراتيجيا واضحا. فهي تمنح طهران القدرة على توسيع نطاق الضغط لكنها قد تدفع خصومها إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية ضدها. وبذلك تصبح الوسائل المصممة لحماية الأمن الإيراني أحد مصادر تهديده.
وفي المقابل فإن الحسابات الأمريكية والإسرائيلية ليست متطابقة بالضرورة. فالولايات المتحدة تنظر إلى الصراع من زاوية حماية مصالحها العسكرية والاقتصادية وضمان أمن حلفائها ومنع اختلال التوازن الإقليمي. بينما تضع إسرائيل إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية ومنع تطور التهديدات الاستراتيجية في مقدمة أولوياتها. وقد يؤدي اختلاف تقدير المخاطر بين الطرفين إلى تعقيد إدارة التصعيد. خصوصا إذا اعتقد أحدهما أن استمرار الضغط العسكري سيؤدي إلى تغيير سلوك إيران بينما ترى طهران أن توسيع الرد هو السبيل الوحيد لمنع المزيد من الضربات. وفي مثل هذه الظروف تصبح احتمالات سوء التقدير أكبر من قدرة القنوات السياسية على احتوائها.
وانطلاقا من ذلك تبرز دول الخليج باعتبارها الطرف الأكثر حساسية تجاه أي اتساع جغرافي للصراع. فهي تقع في قلب البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران وتحتضن منشآت حيوية ترتبط بأمن الطاقة والاقتصاد العالمي. كما أن أولوياتها التنموية تتطلب استقرارا طويل الأمد لا يتوافق مع الحروب المفتوحة.
وتكتسب السعودية أهمية خاصة في هذه المعادلة بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي وموقعها المؤثر في أسواق الطاقة ومعها دول الخليج. ولذلك فإن مصلحتها الاستراتيجية تقوم على منع تحول المنطقة إلى ساحة استنزاف مستمر مع المحافظة على قدرتها على حماية أمنها وسيادتها. غير أن استمرار الاعتداءات أو اتساع التهديدات قد يفرض على دول المنطقة خيارات أمنية أكثر صرامة. وهنا تتجلى خطورة الصراع. فالدول التي تسعى إلى تجنب الحرب قد تجد نفسها أمام ظروف تدفعها إلى الانخراط في تداعياتها.
ولهذا لا يمكن فصل مستقبل المواجهة عن أمن مضيق هرمز والممرات البحرية. فهذه المواقع ليست مجرد خطوط جغرافية لحركة السفن بل تمثل شرايين أساسية للطاقة والتجارة الدولية. وأي اضطراب واسع فيها سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وزيادة الضغوط على الأسواق العالمية. كما أن استهداف البنية التحتية للطاقة أو الاتصالات قد ينقل الصراع من نطاقه العسكري المباشر إلى أزمة اقتصادية دولية. وعند هذه المرحلة لن تعود حسابات الحرب محصورة في أطرافها الأساسية. بل ربما تدخل قوى أخرى على خط الأزمة دفاعا عن مصالحها. وهو ما يجعل التوسع الجغرافي والاقتصادي للصراع أحد أهم المؤشرات على احتمالات تحوله إلى حرب إقليمية أشمل.
ومن الناحية الاستشرافية يمكن تصور ثلاثة مسارات لمستقبل المواجهة:
يتمثل الأول في اتساع العمليات العسكرية ودخول أطراف إضافية نتيجة ضربات متبادلة تستهدف مواقع حيوية أو تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة. وهذا المسار هو الأكثر خطورة لأنه قد يحول الصراع إلى سلسلة من الردود التي يصعب التحكم في حدودها.
أما المسار الثاني؛ فيقوم على استمرار المواجهات العسكرية المتقطعة ضمن حدود يسعى كل طرف إلى عدم تجاوزها. وهو مسار يسمح باستمرار الضغط والردع لكنه يبقي المنطقة في حالة استنزاف وقلق دائمَين.
بينما يتمثل المسار الثالث في العودة إلى تفاهمات سياسية وأمنية تخفض مستوى التصعيد وتؤسس لقواعد جديدة تمنع تجدد المواجهة. غير أن هذا المسار يواجه عقبات عميقة تتعلق بانعدام الثقة وتعارض المصالح وصعوبة الاتفاق على ضمانات قابلة للتنفيذ.
والتقدير الاستراتيجي أن استمرار المواجهة المضبوطة نسبيا مع احتمالات متكررة للتصعيد يمثل أحد المسارات الأكثر قابلية للتحقق في المدى القريب. ليس لأن الأطراف قادرة بالضرورة على التحكم الكامل في الصراع بل لأن كلفة الحرب الشاملة قد تدفعها إلى تجنبها. ومع ذلك فإن هذا الترجيح يظل مشروطا بعدم وقوع تطورات تغير حسابات الأطراف بصورة جذرية. وفي مقدمتها استهداف منشآت الطاقة الكبرى أو تعطيل الملاحة بصورة ممتدة أو وقوع هجوم يؤدي إلى خسائر واسعة ويجعل الرد العسكري الكبير ضرورة سياسية أو أمنية في نظر الطرف المتضرر.
ولهذا فإن أخطر ما يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس فقط احتمال اتخاذ قرار متعمد بشن حرب إقليمية شاملة، بل احتمال الوصول إليها عبر سلسلة من القرارات المحدودة التي تبدو عقلانية لكل طرف على حدة لكنها تقود مجتمعة إلى نتيجة كارثية. فالحروب الكبرى لا تبدأ دائما بخطط شاملة. وقد تنشأ أحيانا عندما يبالغ المتنافسون في تقدير قدرتهم على السيطرة على التصعيد أو يسيئون قراءة نيات خصومهم.
وعليه فإن مسؤولية منع الانفجار الإقليمي لا تقع على دولة وحدها رغم أن السلوك العسكري والخيارات الإقليمية يمثلان عاملا محوريا في معادلة الأمن، بل تشمل جميع الأطراف (إيران وأمريكا وإسرائيل) التي تمتلك القدرة على التصعيد أو التهدئة. فاستقرار المنطقة لن يتحقق بمجرد تبادل الضربات أو فرض معادلات ردع مؤقتة، وإنما يحتاج إلى ترتيبات أمنية تقلص دوافع المواجهة وتمنع استخدام أراضي الدول وممراتها الاقتصادية ساحات لتصفية الصراعات.
ولهذا فإن الشرق الأوسط يقف أمام اختبار استراتيجي بالغ الحساسية؛ فالحرب الإقليمية الواسعة ليست قدرا محتوما لكنها لم تعد احتمالا بعيدا يمكن تجاهله. وبين منطق القوة وحسابات المصالح ستتحدد قدرة الأطراف على منع الانزلاق نحو مواجهة قد تتجاوز في نتائجها حدود الدول المتصارعة. والخطر الحقيقي ليس أن تكون هناك قوة تسعى بالضرورة إلى إشعال حرب شاملة، بل أن تعتقد كل قوة أنها تستطيع الذهاب إلى حافة الحرب ثم التوقف عند اللحظة التي تختارها. فالتاريخ يعلمنا أن الوصول إلى حافة الهاوية أسهل بكثير من ضمان عدم السقوط فيها.
alatif1969@