الرأي

كيف نترك ما أصبح جزءا منا؟



قد تعود إلى مبنى فتتذكر يوم صعدت درجاته مع أبيك قبل أن يكتمل بناؤه. تستعيد صوته وهو يشرح فكرته، وفرحته وهو يرى حلمه يتحقق. ثم يأتي يوم يطرح فيه قرار البيع أو الرحيل، فتكتشف أنك تتعلق بكل التفاصيل، حتى بالجدران التي لم تكن تلتفت إليها. كيف تترك مكانا يحمل كل هذا الحضور؟

يصعب أن تختصر الإجابة في قيمة العقار أو جدوى الاحتفاظ به. ففي هذا المكان شيء من أبيك، ومن عمرك أنت أيضا. وربما تشعر أن مغادرته ستبعدك عن كليهما. يتداخل الحنين مع الخوف من الفقد، وقد يصاحبه شعور بالذنب، كأن الوفاء لمن بناه يقتضي أن يبقى كل شيء كما تركه.

ولفهم هذا التعلق، لنتأمل علاقة الأب نفسه بما بناه. قبل أن يصبح المكان إرثا لأبنائه، كان مشروعا أمضى سنوات في تأسيسه ورعايته. يعرف ما وراء كل مرحلة من تعب وقلق، ويرى في نجاحه امتدادا لجهده. وحين يحين وقت تسليم القيادة، قد يصعب عليه الابتعاد للسبب نفسه الذي يجعل أبناءه يتمسكون بالمكان لاحقا: كلاهما يرى فيه جزءا من نفسه ومن حياته.

لهذا قد يعلن المؤسس انتقال الإدارة إلى أبنائه، ثم يظل حاضرا في كل قرار. وربما يثق بقدراتهم، لكنه يخشى أن يتغير العمل حتى لا يعود يشبه ما بناه، أو أن تتراجع مكانته حين لا يعود الآخرون بحاجة إلى موافقته. ويصبح تسليم المسؤولية أصعب من توقيع قرار إداري؛ فهو يحتاج إلى تقبل دور جديد، وإلى الثقة بأن ما أسسه يستطيع أن يستمر من خلال غيره.

هنا يلتقي سؤال الأبناء بسؤال المؤسس: كيف نسمح بالتغيير من دون أن نشعر بأننا نفرط فيما نحب؟ قد يساعدنا أن نفكر فيما نريد الحفاظ عليه فعلا. فالقيم التي غرسها المؤسس يمكن أن تستمر مع إدارة مختلفة، وقد يطور الجيل القادم المشروع ويوسع أثره بطرق لم تتح له. كما يمكن لحكاية الأب أن تبقى حاضرة في أسرته، حتى إن تغيرت ملكية المكان الذي جمعهم به.

أما الوقت المناسب، فلا تحدده قدرتنا على التوقف عن الحنين. في العمل، يبدأ الاستعداد للانتقال مبكرا، بتأهيل من سيتولى القيادة ومنحه صلاحيات حقيقية، مع دور واضح للمؤسس في المشورة أو الإشراف. وفي قرار بيع أصل عائلي، يحتاج أصحابه إلى مناقشة احتياجاتهم وواقع الأصل ومستقبله، مع احترام تفاوت ارتباطهم به. فالرغبة في الاحتفاظ به تستحق أن تفهم، والرغبة في بيعه لا تقاس بها محبة الأب أو الوفاء له.

وقد نحتاج، قبل الرحيل، إلى أن نروي حكاية المكان لأبنائنا، ونحفظ صوره وتفاصيل بداياته. وحين تنتقل القيادة، نحتاج إلى أن نمنح من يتولاها فرصة ليضيف إلى الحكاية، من دون أن نطالبه بتكرارها.

سيظل الوداع مؤلما أحيانا، حتى حين نقتنع بالقرار. لكننا نستطيع أن نحمل الذكريات معنا، وأن نترك مساحة لما يأتي بعدها. فالدرج الذي صعدناه مع أبينا قد لا يبقى لنا، أما ما عشناه معه فلا ينتهي بتسليم المفاتيح.