البحر وأهالي جدة.. حكاية إنسان ومكان تتوارثها الأجيال
الاثنين، ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦يرتبط سكان محافظة جدة بالبحر الأحمر بعلاقة تاريخية وثيقة، تتجاوز حدود المكان لتصبح جزءا أصيلا من هويتهم الثقافية والاجتماعية، ومصدرا للرزق والإلهام والذكريات، حيث شكل البحر على امتداد العقود ملامح الحياة اليومية لأهالي المدينة، وأسهم في صياغة عاداتهم وتقاليدهم، ليبقى شاهدا على حكايات الأجداد ووجهة تتجدد معها مشاعر الألفة والانتماء لدى الأجيال المتعاقبة.
وترسم علاقة أهالي جدة بالبحر صورة فريدة من الارتباط الإنساني بالمكان، فمنذ القدم كان البحر شريانا للحياة، تنطلق عبره رحلات الصيد والتجارة، وتصل من خلاله السفن المحملة بالبضائع والمسافرين والحجاج، مما أسهم في تعزيز مكانة جدة بوصفها بوابة بحرية مهمة، وملتقى للحضارات والثقافات التي تركت بصماتها في نسيجها الاجتماعي والعمراني.
ولم تقتصر علاقة السكان بالبحر على الجوانب الاقتصادية، بل امتدت إلى تفاصيل حياتهم الاجتماعية، إذ اعتادت الأسر في جدة ارتياد الشواطئ للاستمتاع بنسمات البحر ومشاهدة غروب الشمس، فيما شكلت الواجهات البحرية متنفسا طبيعيا يجمع العائلات والأصدقاء، ومساحة لاستعادة الذكريات وتبادل الأحاديث في أجواء تمتزج فيها أصوات الأمواج بروح الألفة التي تميز المجتمع الجداوي.
وحافظ البحر على حضوره في الموروث الشعبي لأهالي جدة، من خلال الحكايات البحرية والأهازيج التي كان يرددها البحارة والصيادون خلال رحلاتهم، إلى جانب المهن التقليدية المرتبطة بصناعة القوارب وصيانة شباك الصيد، التي عكست طبيعة الحياة الساحلية وما اتسم به سكانها من صبر ومهارة وقدرة على التكيف مع ظروف البحر وتقلباته.
وتبرز مهنة الصيد بوصفها أحد أبرز الشواهد على عمق هذه العلاقة، إذ توارثتها عائلات جدة جيلا بعد جيل، وظلت القوارب ومرافئ الصيادين جزءا من المشهد البحري للمدينة، فيما احتفظت الأسواق الشعبية بحضور المنتجات البحرية التي ارتبطت بالمائدة، وأصبحت أطباق المأكولات البحرية أحد المكونات المميزة للمطبخ المحلي.
ويستقبل كورنيش جدة على مدار العام أعدادا من الأهالي والزوار، الذين يجدون في امتداده الساحلي فرصة للاستمتاع بالمشاهد الطبيعية، لا سيما خلال ساعات الغروب، حين تتداخل ألوان السماء مع زرقة البحر، في مشهد يمنح المكان طابعا جماليا ويعزز مكانته في الذاكرة البصرية والوجدانية لسكان المدينة.
وأسهم الموقع الساحلي لجدة في تشكيل طابعها المنفتح على الثقافات المختلفة، إذ كان البحر معبرا للتواصل الإنساني والتبادل التجاري والحضاري، وانعكس ذلك على تنوع الموروث الاجتماعي للمدينة، وعلى فنونها الشعبية ومأكولاتها ومفرداتها المحلية، التي لا تزال تحمل ملامح من تاريخها البحري العريق.
وتتجدد صور هذا الارتباط من خلال رحلات قوارب النزهة، التي تمنح الأهالي والزوار فرصة لمعايشة البحر واكتشاف ملامح المدينة من جهة أخرى، وإضافة ذكريات جديدة إلى حكايتهم مع المكان.
وفي هذا السياق، تأتي جهود الهيئة السعودية للبحر الأحمر في تنظيم الأنشطة السياحية الساحلية، ومنها إصدار متطلبات واشتراطات نشاط تأجير قوارب النزهة، لتعزيز سلامة الرحلات وجودة خدماتها وحماية البيئة البحرية، بما يدعم استمرار هذه الصلة بالبحر في تجربة سياحية تراعي الإنسان والمكان.
وتبقى علاقة سكان جدة بالبحر الأحمر أكثر من مجرد ارتباط جغرافي بمدينة تطل على الساحل؛ فهي علاقة وجدانية راسخة، تتجدد مع كل موجة تعانق الشاطئ، وكل شمس تغيب في الأفق، لتظل جدة مدينة تستمد من البحر جانبا من روحها وهويتها، وتروي من خلاله حكاية إنسان ومكان جمعتهما الألفة عبر الأجيال.