قراءة في المشروع الحضاري السعودي
الاثنين، ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦قبل أيام معدودة، توج الطبيب والأديب الأمريكي كارل دايسروث بجائزة نوبل، ولم تكن الجائزة وحدها هي الحدث! بل كان يجاريها ذلك المقطع العفوي المفعم بالإنسانية الذي غمر منصات التواصل الاجتماعي وطاف أرجاء العالم خلال دقائق معدودة عندما ظهر هذا العالم الكبير وهو يحتفل بين جنبات عائلته بهذا الإنجاز العظيم، لقد بث المشهد طاقة من السعادة الغامرة في نفوس كل من شاهده، واجتاحت المشاهدين مشاعر دافئة وكأن كل واحد منهم هو الفائز بتلك الجائزة المرموقة، إن هذه العواطف البشرية النبيلة تجسد المعنى الحقيقي لتقارب الإنسان مع أخيه الإنسان، وتبرهن على قدرتنا المشتركة على العيش تحت مظلة قيم الحضارة الرفيعة التي تتجاوز الحدود واللغات، ورغم هذه الجمالية الإنسانية القادمة من الغرب إلا أن هناك صورا لانتكاسة مؤلمة تضرب عمق تلك الحضارة، فمقومات الحضارة الحقيقية تظهر معالمها في أوقات الأزمات العالمية وليس في أوقات التوسع، ففي هذه الأوقات التي يعاني العالم من أزماته الاقتصادية نجد الأوروبيين يضيقون الخناق على الفارين من جحيم الحروب لإعادتهم إلى أوطانهم! فقبل شهرين تقريبا، أقر الاتحاد الأوروبي بأغلبية ساحقة قانون الهجرة الجديد الذي حمل شعار (أعيدوهم إلى بلدانهم) دون أي وازع حضاري أو إنساني، بينما في المقابل لدينا، نجد الصورة الحضارية الإيجابية تتجلى عندما تمد المملكة يدها الحانية وسط قذائف الاعتداءات الحوثية لتتلمس وبمسؤولية تاريخية احتياجات الشعب اليمني الذي عانى الويلات من ظلم الانقلابيين، لترحب بكل المخالفين على أرضها وتصدر حزمة من القرارات لتصحيح أوضاعهم النظامية داخل المملكة، وهي لفتة إنسانية حانية تكاد تنفرد بها السعودية في عالم اليوم المليء بالأنانيات السياسية.
قبل عامين تقريبا، هرول المواطن اليمني يوسف المليحي نحو الدكتور عبدالله الربيعة ليقبل رأسه بامتنان صادق إثر النجاح الباهر لعملية فصل توأمه السيامي سلمان وعبدالله. إن البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة ليس مجرد مركز طبي متقدم أو واجهة علاجية، بل هو معجزة إنسانية بحق، حققت النجاح في حوالي ثلاث وسبعين عملية فصل لتوائم سيامية قدموا من ثمان وعشرين دولة توزعت على القارات الخمس، الحديث هنا عن الرياض التي باتت تعرف بحق كعاصمة للعطاء البشري، حيث تذوب الفوارق الطبقية والسياسية تماما، فلا حديث هناك عن دين، أو جنسية، أو عرق، بل إن الحديث الوحيد الطاغي هو عن الإنسان وحقه في الحياة، حيث تمنح المملكة برعايتها الكاملة فرصة جديدة للعيش واستعادة الأمل المفقود.
قراءة المشهد الحضاري السعودي تمتد في مجالات متعددة، فقبل عدة أيام، اكتسحت صورة فوتوغرافية جميع وسائل الإعلام العالمية لأشهر رياضي في العالم كريستيانو رونالدو، وهو يرتدي شعار المملكة ويقبله بكل فخر، معلنا للعالم أجمع بعبارة حاسمة: أنا برتغالي وأنتمي إلى المملكة العربية السعودية، هذا التصريح لم يكن مجرد حديث عابر، بل هو برهان على نجاح الرياض في غرس قيم الحضارة الإنسانية لتصبح البيئة الأكثر جاذبية للرياضات العالمية والنخب الإبداعية، ولعل انتقالنا هنا إلى المجال الرياضي يفتح نافذة للإنجاز الذي حققه المنتخب السعودي بحصوله على كأس الخليج مؤخرا، فمما أثلج صدورنا هو ذلك التشجيع العاطفي من الشعوب العربية والإسلامية كافة للمنتخب أثناء البطولة، ثم فرحته العارمة بتحقيق الإنجاز، فالرياض اليوم لم تعد عاصمة القرار السياسي والاقتصادي في المنطقة فحسب، بل أصبحت العنوان الرسمي للعالمين العربي والإسلامي، وهذه الريادة العالمية لا يمكن لأي مراكز أخرى في المنطقة أن تنافسها أو تحاكي عمقها التاريخي والحضاري.
في الختام، إن المشهد في المنطقة اليوم يلخص باختصار شديد تباين أنموذجين للقيادة، أنموذج عقلية الحكم الرشيد الذي يقدم مشروعه الإنساني الحضاري، مثل مشروع الرؤية الوطنية التي تنتهجها المملكة كدولة ملهمة، تبني عقول أبنائها، وتصنع الأمل لدى الشعوب الأخرى، وتمثل أسوة يحتذى به للريادة الحضارية والإنسانية في العالم، وبين دول أخرى تضيع مقدراتها في توهم العظمة وزراعة الميليشيات التخريبية في المنطقة، تلك التي تختطف الأوطان، وتفخخ عقول النشء، وتوجه فوهات أسلحتها الغادرة نحو الآمنين في المطارات، ونحو ضيوف الرحمن المتجهين لتأدية العمرة وزيارة المقدسات، غير أن منطق التاريخ يظل ثابتا لا يتغير، فالمشاريع القائمة على دماء الإرهاب وخراب الأوطان تظل هشة وعابرة ومهما تطاولت فمصيرها الزوال الحتمي، بينما تبقى المشاريع الإنسانية الراسخة القائمة على العطاء الحضاري وبناء الإنسان ثابتة جذورها في الأرض، وتفرع أغصانها في السماء، لتقود المنطقة بأسرها نحو مستقبل مشرق يعمه الأمن والسلام.