الرأي

ما بين إيران وإسرائيل



اندلعت الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران من جهة أخرى، وردت إيران بقصف أهداف مدنية واقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي!

عندها أكدت إيران بالفعل ما أنكرته بالقول: أكدت أنها عدو، كما أن إسرائيل عدو.. وكل عدو له أهدافه.

وعلينا أن نفهم أهداف كل من إيران وإسرائيل:

فإيران تعمل على نشر المذهب الشيعي الجعفري،

وتستغل المذهب لبناء شبكة من الحلفاء والوكلاء في دول الجوار، وهدفها السيطرة على مضيق هرمز، وتوسيع نفوذها الإقليمي وتعزيز عمقها الاستراتيجي. وهي تعمل على بسط نفوذها السياسي على المنطقة والتدخل في دولها دون اعتبار لسيادتها: حيث يمتد النفوذ الإيراني إلى جماعات مسلحة داخل دول عربية، ما يعتبر اعتداء على سيادة تلك الدول.

فإيران تمثل خطورة استراتيجية على محيطها، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال تحويل مجلس التعاون إلى ساحة رد ثانوية في الصراع ما بين إيران وبين إسرائيل وأمريكا: بقصف إيران لأهداف مدنية وللبنية التحتية الاقتصادية في دول المجلس.

وبينما تبرر إيران تدخلاتها وعدوانها بمبررات «دفاعية» أو «أمنية»، إلا أن الدفاع عن المنطقة وأمنها غير ممكن دون التوافق على نظام إقليمي يقوم على احترام السيادة والمصالح المتبادلة، ولذلك كان أساس الاتفاق السعودي - الإيراني عام 2023 هو احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ودعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

أما إسرائيل فتعمل على تشويه صورة الإسلام ذاته، ونشر الخوف من الإسلام والمسلمين حول العالم (الإسلاموفوبيا)، من خلال خطط معقدة هدفها التأثير على الرأي العام الدولي وبناء قاعدة واسعة من الدعم، خاصة في الدول الغربية.

وهدف إسرائيل (الحقيقي) هو زعزعة - أو تدمير - دول المنطقة واستنزاف قدراتها، وأن تتحول إلى ساحة صراع إقليمي مدمر واختراق إسرائيلي مسيطر، ما يمكن إسرائيل من إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة.

كما تطمح إسرائيل أن تكون في قلب اقتصادات النفط الخليجي عن طريق مشروعها لتصديره من خلال خط أنابيب ينتهي بميناء إسرائيلي، وهو مشروع يتخطى مضيق هرمز ويسمح لإسرائيل أن تتحكم في أهم سلسلة توريد طاقة في العالم، وذلك بالإضافة إلى مشروعها: «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» India-Middle East-Europe Economic Corridor، الذي يتخطى قناة السويس ومضيق باب المندب، ويجعل من إسرائيل البوابة الرئيسية على البحر الأبيض المتوسط للتجارة ما بين الشرق والأسواق الأوروبية.

فإسرائيل هدفها السيطرة على المنطقة عسكريا وسياسيا، واقتصاديا: باستبدال مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس بطرق بديلة تمر عبر إسرائيل.

كما تطمح إسرائيل إلى السيادة التقنية وامتلاك مفاتيح النفوذ المعلوماتي في المنطقة، وبذلك تصبح القوة المركزية التي تسيطر على المنطقة وتتحكم في تدفق النفط والتجارة والتكنولوجيا المتقدمة وتحليل البيانات.

وهنا تجب الإشارة إلى عقيدة الأمن الإسرائيلية الجديدة التي بدأت تتضح معالمها، وتتبناها مجموعة من أهم الشخصيات السياسية والعسكرية، مثل بنيامين نتنياهو: رئيس الوزراء، والفريق إيال زامير: رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي والمدير العام السابق لوزارة الدفاع الإسرائيلية، وبتسلئيل سموتريتش: السياسي المتطرف الذي يجمع ما بين منصبين في الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهما منصب وزير المالية ومنصب وزير ثانٍ (إضافي) داخل وزارة الدفاع.

وقد أوضح اللواء تامير هايمان العقيدة الأمنية الجديدة في ورقة بحث تحليلية بعنوان: مفهوم الأمن القومي الجديد لإسرائيل The «New» National Security Concept.

وتامير هايمان هو الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، كما أنه المدير التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: أحد أهم مراكز الأبحاث الإسرائيلية، ولو قرأنا مفهوم «الأمن القومي الجديد لإسرائيل» لوجدنا أن خلاصة هدفه أن تكون المنطقة كلها في حالة توتر دائم وعدم استقرار.

فالعقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة تمثل خطورة شديدة من منظور الأمن القومي العربي:

فالسلام في العقيدة الأمنية الجديدة ليس غاية تسعى إسرائيل إلى تحقيقها أو المحافظة عليها، بل إن «السلام» في المفهوم الإسرائيلي مجرد «وسيلة» لتحقيق المصالح، وهو «ترتيب مؤقت» يخضع لحسابات إسرائيلية، وليس هدفا في حد ذاته.

فالعقيدة الإسرائيلية الأمنية الجديدة ترى أن الحرب أساس الأمن القومي، وأن التسويات السياسية ليست نهاية للصراع، بل على إسرائيل أن تلجأ إلى العدوان العسكري إذا رأت أنه يحقق لها مكاسب أكبر. فالحرب لا ينظر إليها كملجأ أخير، بل تعتبر الحرب «حالة دائمة»، وبالتالي لا يمكن الثقة في أي اتفاقات سياسية مع إسرائيل، لأنها مجرد «ترتيبات مؤقتة».

كما أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة لا ترى الدول العربية دولا قومية متماسكة، بل ترى أنها «كيانات»: أي مجرد أقليات وطوائف وقبائل، وليست دولا يجب احترام وجودها (وإذا كان الأمر كذلك فإن إسرائيل هي الـ«كيان» غير الطبيعي في المنطقة).

وترى إسرائيل أن استقرار الدول العربية في غير صالحها، بدلا من النظر إلى استقرار الدول المجاورة على أنه يعزز الاستقرار الإقليمي.. وتنظر إسرائيل إلى ضعف الدول العربية وتفككها باعتباره «مكسبا استراتيجيا»، وأن تفكك الدول العربية «عملية طبيعية»، وعلى إسرائيل «إدارة» هذا التفكك!

فخطورة العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة لا تقتصر على الفلسطينيين أو على الدول التي تدخل في مواجهة مع إسرائيل، وإنما تمتد خطورتها إلى الأمن القومي العربي وأمن المنطقة بأكملها. بل تمتد خطورتها إلى واشنطن التي تسعى إلى تجنب الحروب المكلفة، والحفاظ على علاقاتها مع الدول العربية، ومنع انهيار الاستقرار الإقليمي.

والخلاصة أن إيران وإسرائيل كلاهما عدو، وكل منهما يمر بتغيرات سياسية وفكرية هامة، وله خططه وأهدافه الخاصة، وإن كانت الخطط والأهداف الإسرائيلية أبعد من طموحات إيران.

وعلى أبناء المنطقة أن يفهموا أعداءهم، وأن تكون لهم خططهم.. وأهدافهم.