مبادرة وزارة الداخلية بلاغ: متى يكون بلاغك بلاغا
الأحد، ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦الأمن والاستقرار من أهم مقومات الحياة الآمنة التي ينشدها كل مجتمع؛ ففي ظل الأمن يأمن الإنسان على نفسه وماله وأسرته، وتستقر حركة الحياة، وتتوافر البيئة المناسبة للعمل والتنمية والتعايش. ولا يتحقق الأمن العام بجهود الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما يقوم كذلك على وعي المجتمع وإدراك أفراده أن المحافظة على الأمن مسؤولية مشتركة، يشارك فيها المواطن والمقيم والقطاعان العام والخاص، كل من موقعه وبقدر ما يملكه من معرفة وقدرة على الإسهام.
ومن هذا المنطلق تأتي أهمية مبادرة وزارة الداخلية «بلاغ»، بوصفها إحدى صور المشاركة المجتمعية في المحافظة على الأمن، من خلال إيصال الوقائع والمعلومات ذات الصلة إلى الجهات المختصة. فالوعي الأمني لا يقتصر على معرفة الأنظمة أو الالتزام بالتعليمات، بل يمتد إلى إدراك أهمية المعلومة الأمنية، وسرعة إيصالها عندما تكون جديرة بالإبلاغ، بما يعزز قدرة الجهات المختصة على التعامل مع الوقائع ومنع الضرر وكشف المخالفات وحماية الأرواح والممتلكات.
غير أن قيمة البلاغ لا تقاس بمجرد تقديمه، وإنما بما يحمله من معلومات ووقائع يمكن التعامل معها والتحقق منها. فالبلاغ الجاد يبدأ من واقعة محددة، أو سلوك ظاهر، أو معلومة ذات صلة، ويقوم على وصف ما وقع بصورة واضحة ودقيقة، مع بيان ما يتصل به من مكان وزمان وأشخاص وملابسات، دون مبالغة أو إضافة أو نقل لما لم يتحقق منه المبلّغ.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين المعلومة والانطباع، وبين الواقعة والتفسير، وبين الاشتباه والاتهام فقد يثير موقف معين انتباه الشخص أو يبعث على الريبة، لكن قيمة البلاغ تزداد عندما يستطيع المبلغ تحديد المؤشرات التي أثارت اشتباهه وربطها بالواقعة محل البلاغ.
أما المشاعر المجردة، والشائعات، والاستنتاجات غير المستندة إلى وقائع محددة، فلا ينبغي أن تتحول إلى حقائق بمجرد تداولها أو تكرارها، كما أن البلاغ لا يتطلب من المبلغ أن يثبت الجريمة أو يحسم مسؤولية أحد عنها؛ فهذه مهمة الجهة المختصة. ودور المبلغ هو نقل ما شاهده أو سمعه أو علم به على وجه الدقة، وترك التحقق والتقييم وتحديد المسؤولية للجهة التي تملك الاختصاص والأدوات اللازمة لذلك.
ولهذا فإن البلاغ ليس إدانة، وذكر اسم شخص في البلاغ لا يعني ثبوت مسؤوليته، وإنما يضع معلومة أمام الجهة المختصة لتقييمها وفق الإجراءات المعتمدة نظاما وتتضاعف قيمة البلاغ عندما تكون المعلومة دقيقة وحديثة ومرتبطة بواقعة تستحق التدخل. فالمعلومة الصحيحة في الوقت المناسب قد تسهم في منع خطر قبل وقوعه، أو حماية شخص من ضرر، أو المحافظة على دليل، أو مساعدة الجهات الأمنية في سرعة الوصول إلى الحقيقة. ولذلك فإن المسؤولية في البلاغ لا تعني كثرة البلاغات، وإنما تعني جودة المعلومة، ووضوح الوصف، وصدق النقل، وحسن التقدير.
وتقوم المشاركة المجتمعية الواعية على التوازن؛ فلا يكون الصمت عن واقعة تستحق الإبلاغ موقفا مسؤولا، كما لا يكون تحويل الشكوك والشائعات والخصومات إلى بلاغات سلوكا صحيحا. والمسؤولية الحقيقية تقوم على وعي مسؤول؛ فينقل الإنسان ما يعرف، ويميز بين ما شاهده وما استنتجه، ويتجنب إصدار الأحكام، ويضع المعلومة أمام الجهة المختصة لتقوم بدورها.
وإن مبادرة وزارة الداخلية «بلاغ» تعزز هذا المعنى؛ فالأمن مسؤولية مشتركة، والمجتمع الواعي شريك في المحافظة عليه. وكل مواطن ومقيم يعمل في القطاع العام أو الخاص يستطيع أن يسهم في هذه المسؤولية حين يتعامل مع المعلومة الأمنية بوعي، ويبلغ عنها بصدق ودقة، ويترك للجهات المختصة مهمة التحقق واتخاذ ما يلزم.