الرأي

الخوارزمية المتحيزة: صناعة الزيف في الفضاء الرقمي



تاريخيا كان المحرر الصحفي يمارس دور «حارس البوابة» يقرر ما يستحق النشر وما يجب استبعاده بناء على معايير مهنية وأخلاقية، واليوم انتقلت هذه السلطة إلى الخوارزميات بأنظمتها المعقدة التي تمارس من خلالها حكما رقميا صامتا يطال مليارات المستخدمين في آن واحد، وهذا التحول الجذري لم يكن مجرد تغيير في الأداة وإنما تغيير في المعيار فالخوارزمية لا تبحث عن «الحقيقة» أو «الأهمية» ولكنها تبحث عن «التفاعل» كما تشير شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff)، الأستاذة الفخرية في كلية هارفارد للأعمال ومؤلفة كتاب «عصر رأسمالية المراقبة»: تطالب رأسمالية المراقبة من جانب واحد بالتجربة البشرية كمادة خام مجانية لترجمتها إلى بيانات سلوكية.

تعتمد الخوارزميات التوصيفية في منصات مثل يوتيوب وفيسبوك وتيك توك على تحليل سلوك المستخدم لتقديم محتوى يبقيه أطول فترة ممكنة متصلا على المنصة، وتشير الدراسات إلى أن المحتوى المثير للغضب والانفعال يحقق تفاعلا أعلى بكثير من المحتوى الدقيق والموثوق، وهو ما أشارت له فرانسيس هوغن، الموظفة السابقة في فيسبوك، والتي سربت آلاف الوثائق الداخلية للشركة «لقد أدركت فيسبوك أنه إذا قاموا بتغيير الخوارزمية لتكون أكثر أمانا، فإن الناس سيقضون وقتا أقل على الموقع، وسينقرون على إعلانات أقل، وسيجني فيسبوك أموالا أقل»، ووفقا لتقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2025، أشار 58% من المستخدمين عالميا إلى قلقهم بشأن قدرتهم على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف على الإنترنت، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 73% في الولايات المتحدة وأفريقيا.

التضليل الإعلامي اليوم لم يعد ظاهرة عرضية وتحول إلى منتج اقتصادي له سوقه ومنتجوه ومستهلكوه، وهو ما أشارت له الدراسة الشهيرة التي أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) والتي بينت أن الأخبار الكاذبة تنتشر بسرعة تفوق الأخبار الصحيحة بستة أضعاف على منصة X، وتفاقمت هذه الظاهرة بشكل ملحوظ، وأشار تقرير «المخاطر العالمية 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) إلى أن المعلومات المضللة والمفبركة (Misinformation and Disinformation) تعد من أبرز التهديدات العالمية وخاصة مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد المحتوى، فمثلا نسبة المستخدمين الذين يجدون صعوبة في تمييز الأخبار الزائفة في عام 2025 بلغ على تيك توك 27%، وعلى X بلغ 24%، والفيسبوك 21%، والإنستغرام 20%.

هذا التضليل المهندس الذي يشهده العالم اليوم يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج «التزييف العميق» والمحتوى المولَد آليا، وتستغل الجهات السياسية والاستخباراتية هذه الأدوات لتشكيل الرأي العام في أوقات الأزمات وكذلك خلال الانتخابات، وعلى سبيل المثال خلال الانتخابات الأمريكية لعام 2024 ارتفعت نسبة المنشورات المضللة على منصة X بنحو 240% في غضون 48 ساعة قبل وبعد يوم الانتخابات، وفي سياق النزاعات المسلحة أشار تقرير لعام 2025 إلى أن حوالي 1 من كل 4 مستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي في أوكرانيا تعرضوا لحملات تضليل مدعومة من دول.

وهنا تلعب الخوارزميات دورا محوريا في تعميق الانقسامات السياسية من خلال تقديم محتوى يتوافق مع المعتقدات المسبقة للمستخدمين فتولد ما يعرف بـ«غرف الصدى» التي أشار لها تقرير معهد رويترز لعام 2025 «المؤثرون والشخصيات العامة يعتبرون أكبر مصدر للمعلومات المضللة عالميا بنسبة 47%، يليهم السياسيون الوطنيون 47%».

ولمواجهة هذا التهديد البنيوي تتجه الجهود العالمية نحو تنظيم عمل الخوارزميات بدلا من الاكتفاء بمبادرات التحقق من الحقائق (Fact-Checking)، ومن أبرز الجهود قانون الخدمات الرقمية (DSA) في الاتحاد الأوروبي، وقانون الأضرار عبر الإنترنت في كندا الذي بدأ تنفيذه في عام 2025، يستهدف الحد من انتشار المعلومات المضللة عبر الخوارزميات.

ختاما، لم تعد الخوارزميات أدوات محايدة لتنظيم المعلومات وإنما أصبحت فاعلا رئيسيا في صناعة الحقيقة والزيف من خلال تحديدها لما يرى وما يخفى، وما يضخم وما يهمش في الفضاء الرقمي وتحولت إلى منتج اقتصادي، ولهذا فإن الحل الجذري يكمن في فرض «الشفافية الخوارزمية» وإلزام المنصات بالإفصاح عن آليات عمل أنظمتها لضمان ألا تكون الأرباح الإعلانية هي المعيار الوحيد الذي يشكل إدراكنا للواقع.