الرأي

الولاء والبسالة.. ديدن السعوديين

بلادي وإن جارت علي عزيزة

وأهلي وإن ضنوا علي كرام

فما حال من بلاده عزه، وأهله عزوته؟ من تفيأ سماءها عزيزا، وجال في أرضها كريما، وعاش في كنفها آمنا مطمئنا، لا يخشى ظلما، ولا يخاف ضيما؟

ذلكم هو حال السعوديين في بلاد السلام، مهبط الوحي، وقبلة الإسلام، بلاد تشد الرحال إليها ديانة، وتقصد محبة، ويأوي إليها الناس طلبا للأمن والرزق والاستقرار. وطن جمع الله له شرف المكان، وعزة الإنسان، ونعمة الأمن، وكرامة العيش.

ولأن الأوطان ليست مجرد حدود على الخرائط، ولا أرض تحت الأقدام، بل انتماء يسكن الوجدان، فإن الولاء لها لا يقف عند حدود المشاعر والكلمات، وإنما يتجلى في المواقف، وتبلغ معانيه ذروتها حين تقترن المحبة بالبسالة، ويتحول الانتماء إلى استعداد للتضحية.

ولقد تجلى هذا الشعور في مواقف قيادة المملكة العربية السعودية وأبنائها منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، في محطات تاريخية كشفت المعدن الأصيل لهذا الوطن، وأكدت أن البسالة لا تقف عند حدود الأرض، وأن الوفاء للمبادئ يتجاوز حدود الجغرافيا.

ففي حرب فلسطين عام 1948، هب الجيش السعودي لنصرة أشقائه، وشارك جنوده في ميادين القتال، وبذلوا دماءهم دفاعا عن فلسطين. وفي حرب أكتوبر عام 1973، اتخذ الملك فيصل، رحمه الله، موقفا تاريخيا حين استخدم سلاح النفط لدعم الموقف العربي، مؤكدا أن قوة الموقف لا تقل أثرا عن قوة السلاح. وحين اجتاح النظام العراقي الكويت عام 1990، وقف الملك فهد، رحمه الله، موقفا حاسما في نصرة الأشقاء، واحتضنت المملكة القيادة الكويتية، وأسهمت في تحرير الكويت واستعادة سيادتها.

وامتدادا لهذه المواقف، جاء موقف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، في دعم الشرعية اليمنية، ومساندة الشعب اليمني سياسيا وإنسانيا، والسعي إلى استعادة أمنه واستقراره.

تلك محطات تفصل بينها العقود، وتجمعها قيم راسخة؛ فالقيادة التي جعلت من أمن وطنها وكرامة مواطنيها مسؤولية أولى، لم تتخل عن واجبها تجاه أشقائها حين استنجدوا بها. وهكذا ظل الولاء للمبادئ مقرونا ببسالة الموقف، وظلت نصرة الأشقاء شاهدا على أن عظمة الأوطان لا تقاس بما تملكه من قوة فحسب، بل بما توظفه من تلك القوة في نصرة الحق وحماية الأمن وصون الكرامة.

واللافت أن هذه المواقف المشرفة لم تأت في ظل إجماع على تقديرها أو إنصاف أصحابها؛ فقد عانى السعوديون، وما زالوا، من حملات إعلامية تقودها منابر حزبية وأصوات تتاجر بقضايا الشعوب ومستقبلها، اعتادت مهاجمة المملكة، وتشويه مواقفها، ومحاولة قلب الحقائق، حتى غدا النيل منها عند بعضهم وسيلة للتكسب السياسي والإعلامي. غير أن السعوديين، قيادة وشعبا، ظلوا أكبر من تلك الحملات، وأسمى من أن تجعلهم الإساءة يتخلون عن مبادئهم، أو تدفعهم الخصومة إلى التنكر لواجبهم تجاه أشقائهم؛ فعمق الانتماء، وصدق الولاء، وأصالة المعدن، قيم لا تبدلها المواقف العابرة، ولا تنال منها أصوات المتاجرين بقضايا الأمة.

وحالنا في مملكة الحزم والعزم يذكرنا بقول زهير بن أبي سلمى:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه

يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

غير أننا نأخذ من البيت شجاعة الدفاع عن الحمى، ولا نأخذ منه أن الظلم سبيل لاتقاء الظلم؛ فنحن لا نظلم الناس، ولا نقبل أن يظلمنا أحد، ولا نعتدي على أحد، ولا نسمح لأحد بالاعتداء علينا.