«أكشاك الخدمات» وانتهاك خصوصية المواطنين الرقمية
الخميس، ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦في الوقت الذي تتقدم فيه المملكة العربية السعودية في التحول الرقمي، وتتيح معظم خدماتها الحكومية الكترونيا عبر منصات رسمية متطورة، لا تزال هناك بعض المعاملات التي تستلزم حضور المراجع شخصيا للجهة الحكومية. وهنا تبرز الحاجة إلى تنظيم محيط هذه الجهات؛ لضمان وصول المراجعين إلى خدماتهم دون استغلال أو تضليل أو تعريض بياناتهم للخطر.
خلال توجهي لمراجعة وزارة الخارجية بصفتي محامية متدربة، أوقفت سيارتي، فإذا بشخص يستوقفني ويبدأ باستجوابي: «هل لديكِ موعد؟». استغربت طريقته، ولاحظت أن لكنته بدت غير سعودية، فسألته مباشرة: «هل أنت موظف في وزارة الخارجية؟». فأجاب بارتباك: «لا، بس عندي مكتب خدمات وترجمة، وأقدر أطلع لك موعد!».
رفضت التعامل معه، ودخلت إلى الموقع الرسمي للوزارة وحجزت موعدي بنفسي خلال ثوان، ثم أنهيت معاملتي. لكن المفاجأة كانت عند خروجي، حين استوقفني الشخص نفسه مجددا قائلا: «ألم يدخلوكِ؟ ألم أقل لكِ دعيني أعمل لكِ الموعد؟»، وكأن من حقه استجواب المراجعين ومعرفة تفاصيل مراجعاتهم!
دفعتني هذه الواقعة إلى تفقد محيط الجهة الحكومية، لأجد أشخاصا ومكاتب خدمات يستقطبون المراجعين ويعرضون عليهم خدمات الترجمة وحجز المواعيد وإنهاء المعاملات، في مشهد عشوائي وغير حضاري، يثير التساؤل عن مدى نظامية هذه الأنشطة وأسباب غياب الرقابة عليها.
لكن القضية لا تتعلق بالمظهر الحضاري وحده، بل تمتد إلى أمن المعلومات والخصوصية الوطنية.
صحيح أن معظم الخدمات أصبحت الكترونية، لكن بعض الإجراءات لا تزال تستلزم الحضور الشخصي، كما أن هناك كبارا في السن أو غير متمكنين تقنيا، علاقتهم مع التطبيقات الحكومية ليست في أحسن أحوالها، وبالتالي يلجؤون إلى مكاتب الخدمات لمساعدتهم. وهنا تكمن الخطورة؛ فقد يطلع مقدم الخدمة على أرقام الهويات وبيانات جوازات السفر والمعلومات الشخصية، وربما يحصل على بيانات الدخول إلى «أبشر» أو «نفاذ» ورموز التحقق وكلمات المرور، بما يعرض صاحب الحساب وبياناته للانتهاك والاستغلال.
وفي الوقت الذي تحذر فيه الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، والبنك المركزي السعودي، والعديد من الوزارات من مخاطر الوقوع في فخ الروابط الاحتيالية، وتشدد على أهمية حماية المعلومات وعدم مشاركة بيانات الدخول والرموز السرية مع أي جهة؛ إلا أننا نسمع دوما عن وقوع أشخاص في هذا الشرك رغم حرصهم الشديد؛ وفي المقابل يجد المراجع الذي يتردد على الجهات الحكومية نفسه أمام أشخاص قد يطلبون منه معلومات بهذه الحساسية بحجة إنجاز معاملته.
فإذا كان المتمكن تقنيا قد يقع ضحية للاستغلال، فما بالك بكبار السن ومن لا يعرفون مخاطر مشاركة بياناتهم، ولا يستطيعون التمييز بين الإجراء الرسمي والممارسة غير الآمنة؟ وتزداد خطورة الأمر عندما يتمكن عامل وافد من الاطلاع على بيانات المواطنين والتعرف على آليات استخدام المنصات والإجراءات الحكومية.
إن وصول أشخاص من خارج الوطن إلى معلومات حساسة دون ضوابط واضحة ورقابة فعالة قد يشكل مخاطر أمنية لا يجوز الاستهانة بها؛ فبيانات المواطنين ليست مجالا للتساهل، وأمن المعلومات جزء من الأمن الوطني. ولا بد من وضع حدود صارمة لما يجوز للعاملين الاطلاع عليه، ومنع أي وصول غير مبرر إلى المعلومات الحساسة.
وهنا يبرز سؤال آخر: كيف يمكن للجهات الرقابية التي تترصد الباعة الجائلين الكامنين في الأحياء السكنية وتصادر بضائعهم، وتدقق في تراخيص وشهادات العاملين بالمحال التجارية للتأكد من استيفائها للاشتراطات اللازمة، أن تتغافل عن «بسطات الخدمات» المفترشة للشوارع المؤدية للجهات الحكومية، وتسمح بتقديم خدماتهم عبر أشخاص أقل ما يمكن وصفهم بأنهم «غير موثوقين»؟
ولمصلحة من هذا التغافل؟ ولماذا يسمح لهذا التشوه البصري بالبقاء، على مرأى ومسمع مسؤولي هذه الجهات؟
إن قطاع مكاتب الخدمات يجب أن يكون سعوديا بنسبة 100%، بحيث يتولى إدارته والعمل فيه سعوديون، مسجلة بياناتهم لدى الجهات الرسمية، ولديهم مكاتب مرخصة ومعتمدة وثابتة، وليست كراسي ومظلات على قارعة الطريق، بدلا من تركها للعمالة الوافدة.
فالتوطين ليس مجرد توفير فرص عمل للسعوديين، بل خطوة مهمة نحو تعزيز الرقابة والمساءلة، وضمان وجود قطاع وطني منظم يخضع للأنظمة ويحافظ على خصوصية المجتمع ومصالحه.
وفي ظني أن كل جهة حكومية مسؤولة في المقام الأول عن تنظيم محيطها الخارجي، بعدم السماح لهذه الأكشاك العشوائية بالافتراش أمام مقارها، وعلى الجهات المعنية التحرك العاجل لمنع تكاثرها مرة أخرى، ومحاسبة المخالفين أيا كانت صفاتهم أو مناصبهم، وإنهاء مظاهر الفوضى واستقطاب المراجعين عند الأبواب. فلا يكفي أن نحصن منصاتنا الالكترونية، ثم نترك بيانات المواطنين عرضة للمخاطر عند أبواب الجهات الحكومية.
elanah_n@