لا تنتظروا الصباح: أغلى خطأ تخلونه يرتاح
الخميس، ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦في صباح العاشر من ديسمبر عام 1996، استيقظت الدكتورة «جيل بولت تيلور» عالمة تشريح الأعصاب في جامعة هارفارد والبالغة من العمر سبعة وثلاثين عاما على ألم حاد خلف عينها اليسرى. اعتقدت «جيل» الباحثة في خفايا الدماغ البشري وقدرة الخلايا العصبية على توليد الأفكار والمشاعر أن الأمر لا يعدو سوى صداع عابر، فقامت إلى جهاز التمارين كعادتها كل صباح. على الجهاز بدأ الوضع يتبدل. أحست أن يديها بحالة غير طبيعية، وأن صلتها بجسدها ترتخي تدريجيا، وبات الضوء أسطع مما تستطيع أن تحتمله، والأصوات أعلى من استيعابها. ظلت تتنقل في شقتها دون أن تدرك ما يجري، حتى سقطت ذراعها اليمنى إلى جانبها بلا حراك. عندها فقط أدركت «جيل» ما تعرفه من واقع تخصصها: أنها أصيبت بسكتة دماغي، فقد انفجر وعاء دموي في النصف الأيسر من دماغها بسبب تشوه خلقي لم تكن تعلم بوجوده.
حاولت أن تطلب الإسعاف، فاكتشفت أنها لم تعد تتذكر أو تفهم الأرقام. فتذكرت زميلها في العمل الذي اتصلت به مرات كثيرة من قبل. وجدت بطاقته، لكن الأرقام عليها صارت خطوطا متعرجة لا معنى لها. فراحت تطابق شكل كل خط مع الأشكال على أزرار الهاتف، رقما رقما. وحين رد زميلها أخيرا، فتحت فمها فلم يخرج منها كلام مفهوم. لكن زميلها فهم أن شيئا خطيرا يحدث، فأرسل إليها نجدة عاجلة لنقلها إلى المستشفى.
في غضون أربع ساعات، تحولت الباحثة المتمرسة إلى كائن عاجز عن القراءة أو الكتابة، أو استدعاء أبسط تفاصيل ذاكرتها. بل إنها حين أرادت طلب النجدة، عجزت أصابعها عن التعرف على أرقام الهاتف وصارت تطابق الأشكال تعثرا حتى وصلت إلى زميلها. تلك التجربة القاسية التي وثقت تفاصيلها الملهمة في كتابها (My Stroke of Insight) أو «ضربة البصيرة» (الذي ترجم لنحو ثلاثين لغة وبقي أسابيع في قائمة نيويورك تايمز للأكثر مبيعا) تتطابق في توقيتها ودلالتها الإنسانية مع اليوم العالمي للسكتة الدماغية الذي يوافق التاسع والعشرين من أكتوبر. هذا اليوم ليس مجرد مناسبة عابرة للتوعية الطبية وسرد الإحصائيات فحسب، بل هو وقفة تأمل جماعية أمام أحد أكثر الأمراض فتكا ومباغتة، والذي يُصنف كأحد الأسباب الرئيسية للإعاقة والوفاة حول العالم.
حيث ذكرت مجلة لانسيت لطب الأعصاب أن العالم يشهد نحو 12 مليون سكتة جديدة كل عام، وأن واحدا من كل أربعة أشخاص تجاوزوا الخامسة والعشرين سيصاب بها في حياته، مع إصابة أكثر من النصف ممن هم دون السبعين.
السكتة الدماغية لا تفرق بين عالم أو طبيب أو شخص عادي، فهي تضرب بغتة حين ينقطع الدم عن جزء حيوي من الدماغ، إما بسبب جلطة أو نزيف. ومع ذلك، فإن طوق النجاة هو في مواجهة هذا الخطر عبر التدخل السريع. ففي عالم السكتة الدماغية، الوقت يعني خلايا عصبية، وكل دقيقة تمر تفقد فيها أجزاء من الدماغ قدرتها على الحياة. من هنا تأتي أهمية القاعدة الذهبية للتوعية، والمعروفة عالميا باختصار FAST: وتشمل اعوجاج الوجه المفاجئ (Face)، أو ضعف الذراع (Arms)، أو اضطراب الكلام (Speech)، وأخيرا الوقت (Time) والذي يعني أنه إذا لاحظت أيا من هذه العلامات، فإن الاتصال الفوري بالإسعاف ونقل المصاب للمستشفى هو الفارق بين الحياة والإعاقة الدائمة.
وقد تظهر السكتة أيضا بفقدان مفاجئ للتوازن أو الرؤية، أو صداع شديد مفاجئ غير معتاد. فلا يلزم ظهور كل العلامات، ولا ينبغي الانتظار حتى تزول. كما أن اختفاء الأعراض لا يلغي الحاجة إلى التقييم العاجل. وجيل التي أُصيبت في السابعة والثلاثين، تذكرنا بأن صغر السن لا يمنح حصانة من السكتة. بل أن اللافت في قصتها أن عالمة تعرف الدماغ من الداخل احتاجت وقتا كي تدرك ما يحدث لها، وحين أدركت كانت قدرتها على الاستغاثة تتسرب منها. فكيف بالشخص العادي؟ ومن جهة أخرى، نحن نفترض دائما أن من يتألم سيشرح ألمه، وأن من يحتاجنا سينادينا.
هنا يبرز المأزق الاجتماعي الخطير المتمثل في سوء تقدير الحالة؛ فحين يتأثر الشخص وتتداخل كلماته، قد يبادر أحدهم بحسن نية قائلا: دعوه يرتاح للصباح، مؤجلين الاتصال بالإسعاف أو الذهاب للمستشفى. هذا القرار العاطفي قد يتم اتخاذه تحت مبررات عديدة أو برغبة من الشخص الذي يكره اللجوء للمستشفيات، لكنه في حالة السكتة الدماغية قد يكون أغلى خطأ يُرتكب. فبحسب البحوث الطبية، فإن التأخر في الوصول للطوارئ يفوت نافذة العلاج الحيوي، حيث يفقد الدماغ ملايين الخلايا العصبية مع كل دقيقة تمر دون إغاثة. وفي دراسة نشرتها مجلة Stroke يقدر ما يخسره دماغ المريض في السكتة النموذجية بنحو 1.9 مليون خلية عصبية في كل دقيقة تمر دون علاج. وفي كل ساعة يشيخ الدماغ ما يعادل ثلاث سنوات ونصفا من الشيخوخة الطبيعية.
الليلة التي ننتظر فيها الصباح ليست إذن ليلة راحة. ولهذا تحمل حملة منظمة السكتة الدماغية العالمية هذا العام رسالة واحدة: كل دقيقة تُحسب. فعلاجات إذابة الجلطة وسحبها بالقسطرة تغير مصير كثير من المرضى، لكنها تعمل ضمن نوافذ زمنية محدودة تُقاس بالساعات من لحظة ظهور الأعراض. ومن يصل بعد أن تُغلق النافذة، يصل إلى الرعاية والتأهيل، لا إلى إنقاذ ما كان يمكن إنقاذه.
قصة جيل لم تنته عند طلب النجدة. فقد كان للزمن في حكايتها وجه آخر. لقد استغرقت هذه العالمة ثماني سنوات كاملة من التأهيل العصبي الشاق لتستعيد قدراتها العقلية والجسدية وتعود إلى العالم. سنوات من التعافي تُقرأ في سطر واحد، لكنها أيام من المحاولات المتكررة، وتقدم بطيء لا يلحظه الآخرون، ومسافة مؤلمة بين ما يريده الإنسان وما يقدر عليه جسده. ولعل أعمق ما وثقته تجربة هذه العالمة في كتابها هو فرصة النظر إلى الإنسان حين تتعطل بعض وسائل تعبيره عن نفسه، فقيمته لا تتراجع لأن حركاته أو عباراته أصبحت أبطأ.
في مناسبة مثل اليوم العالمي للسكتة الدماغية، أتذكر قصة جيل التي نجت لأنها، في لحظة صفاء أخيرة، وصلت بمفردها إلى من يسمعها. ولعل أصدق ما نفعله في هذا اليوم أن نعيد التفكير في جملة نقولها بدافع الحنان «خلوه يرتاح». فالمريض يحتاج منا أمرين: أن نسرع حين تظهر العلامات، وأن نطيل الصبر حين تبدأ رحلة العودة. فهناك دقيقة قد تنقذ حياة، ثم سنوات تحتاج منا أن نبقى إلى جوار صاحبها.
HibahAldosari@