الرأي

الكبد الثاني


لماذا يعطي القرص الدوائي نفسه، بالجرعة نفسها، نتيجة ممتازة لدى مريض، بينما لا يكاد يفيد مريضا آخر في العمر والوزن أنفسهما؟

بحث علم الأدوية طويلا عن الإجابة في الجينات البشرية. وقد قدم علم الجينوم الدوائي (Pharmacogenomics) نتائج مهمة، لكن جزءا من الاختلاف قد لا يكون في جيناتنا، بل في جينات الكائنات التي تعيش داخل أمعائنا وتقابل الدواء قبل أن يصل إلى الدم.

ظهر أحد أوضح الأمثلة في أوائل الثمانينيات مع دواء ديجوكسين (Digoxin) المستخدم للقلب. لدى نسبة من المرضى، كانت بكتيريا معوية تعرف اليوم باسم Eggerthella lenta تحول جزءا كبيرا من الدواء إلى مادة غير فعالة قبل امتصاصه. وبمعنى عملي، كان بعض المرضى يبتلعون الجرعة لكن أجسامهم تستقبل كمية أقل بكثير.

بعد سنوات، حدد الباحثون الجينات البكتيرية المسؤولة عن هذه العملية. ووجدوا أن نشاطها يتأثر بالغذاء؛ فالأرجينين الموجود في البروتين يمكن أن يثبطها. أي إن فعالية دواء للقلب قد تتأثر ببكتيريا معوية، وقد تتغير هذه البكتيريا أو جيناتها حسب وجبة العشاء.

ظل هذا المثال يعامل فترة طويلة كحالة نادرة. لكن في عام 2019، اختبر فريق من جامعة ييل بقيادة أندرو غودمان 76 سلالة من بكتيريا الأمعاء أمام 271 دواء يؤخذ عن طريق الفم. في المختبر، تعرض نحو ثلثي الأدوية للتعديل الكيميائي بواسطة سلالة واحدة على الأقل. كما تعاملت كل سلالة مع عدد تراوح بين 11 و95 دواء.

هذا يعني أن الأمعاء ليست مجرد أنبوب امتصاص، بل عضو أيضي إضافي يشبه «كبدا ثانيا» يقع قبل الكبد الحقيقي، ويحمل مجموعة مختلفة من الإنزيمات لدى كل شخص.

وليس تأثير البكتيريا في اتجاه واحد عزيزي القارئ. فقد تعطل الدواء، كما يحدث مع ديجوكسين. وقد تكون ضرورية لتفعيله، مثل سلفاسالازين (Sulfasalazine) المستخدم في أمراض الأمعاء الالتهابية؛ فهو دواء أولي لا يتحول إلى صورته العلاجية إلا بعد أن تقطعه بكتيريا القولون. وإذا تغيرت البكتيريا بشدة بعد المضادات الحيوية، فقد تتغير الاستجابة.

وفي حالات أخرى، تعيد البكتيريا تنشيط مادة عطلها الكبد. يحدث ذلك مع إيرينوتيكان (Irinotecan) المستخدم في علاج السرطان؛ إذ تزيل إنزيمات بكتيرية التعديل الوقائي الذي أضافه الكبد، فتطلق المادة السامة مرة أخرى على بطانة الأمعاء، ما يسهم في الإسهال الشديد.

ومن الأمثلة المهمة أيضا ليفودوبا (Levodopa)، العلاج الأساسي لمرض باركنسون. تستطيع بعض سلالات Enterococcus faecalis تكسير الدواء في الأمعاء قبل وصوله إلى الدماغ. والمثير أن كاربيدوبا، الذي يعطى مع ليفودوبا لمنع تكسيره خارج الدماغ، لا يثبط هذا الإنزيم البكتيري. وقد يفسر اختلاف أعداد هذه البكتيريا جزءا من اختلاف الجرعات التي يحتاجها المرضى.

هذا يقود إلى تداخل دوائي لا يكتب عادة في الملف الطبي: المضاد الحيوي قد يغير تأثير أدوية أخرى، لأنه يعيد تشكيل الميكروبيوم. ففي دراسة قديمة، أوقفت خمسة أيام من الإريثرومايسين أو التتراسيكلين قدرة البكتيريا على تعطيل ديجوكسين لدى بعض المرضى، فارتفع تركيزه في الدم إلى الضعف تقريبا.

وللموضوع أهمية خاصة في منطقتنا. يتشكل الميكروبيوم بحسب الغذاء والمناخ وطريقة الولادة واستخدام المضادات الحيوية. ومعظم الدراسات التي حددت جرعات الأدوية التي نستخدمها أجريت في أمريكا الشمالية أو أوروبا أو شرق آسيا، لدى مجتمعات تختلف عنا في الغذاء والممارسة الطبية. إن نقل الجرعة كما هي يفترض ضمنيا أن «الكبد الثاني» متشابه في الجميع، وهذا افتراض يحتاج إلى اختبار.

يسمى المجال الجديد «علم الصيدلة والميكروبيوم» أو Pharmacomicrobiomics. والفرق بينه وبين الجينات أن الجينوم ثابت غالبا، بينما يمكن للميكروبيوم أن يتغير بالغذاء، والدواء، والعمر، والمرض.

أخيرا عزيزي القارئ المليغرام المكتوب على عبوة الدواء لا يضمن أن المليغرام نفسه سيصل إلى الدم. بين القرص الدوائي والهدف العلاجي مجتمع كامل من الكائنات الدقيقة في أجسامنا، وقد يقرر هذا المجتمع أن الدواء سيعمل، أو سيضعف، أو يتحول إلى شيء آخر.

nabilalhakamy@