الرأي

هل سيزداد طولي يا دكتور؟


أقف أحيانا حائرا أمام سؤال يطرحه طفل أو طفلة بكل براءة وأمل: هل سيزداد طولي يا دكتور؟ فأجد نفسي أمام موقف طبي وإنساني بالغ الحساسية، إذ لا تكون الإجابة دائما كما يتمنى الطفل أو ينتظر والداه، ففي بعض الحالات يكون الطفل قد بلغ بالفعل طوله النهائي، وأُغلقت صفائح النمو في عظامه، فلم تعد أمامنا فرصة لزيادة الطول باستخدام هرمون النمو، حتى لو كان يعاني نقصا فيه خلال مرحلة سابقة من حياته.

لا شك أنه في تلك اللحظة لا تكون المسألة مجرد إجابة طبية عن سؤال يتعلق بالطول، بل قد تتحول إلى صدمة لطفل كان يحلم بأن يصبح أطول أو ينتظر أن يسمع من الطبيب ما يعيد إليه الأمل، وتزداد صعوبة الموقف عندما ندرك أن التدخل في الوقت المناسب ربما كان سيمنحه فرصة أفضل للوصول إلى الطول الذي تسمح به إمكاناته الطبيعية.

وعندما أسأل بعض الآباء والأمهات عن أسباب تأخرهم في عرض أبنائهم على الأطباء رغم ملاحظتهم قصر قامتهم مقارنة بأقرانهم، لا أجد دائما إجابات واضحة، فالبعض يعتقد أن الطفل سيزداد طولا تلقائيا مع مرور السنوات، فيما ينتظر آخرون مرحلة المراهقة على أمل حدوث طفرة نمو تعوض ما فاتهم، أما بعض الأسر الأخرى فتبرر تأخرها بمخاوف سمعتها عن علاج هرمون النمو، من بينها أنه قد يؤدي إلى العقم أو السمنة المفرطة، أو يترك آثارا سلبية خطيرة على الجسم.

وهنا تكمن المشكلة، إذ قد تتحول المعلومات غير الدقيقة والشائعات والتجارب الفردية غير الموثقة إلى حواجز تحول دون حصول الطفل على التقييم الطبي الذي يحتاج إليه، ولا يمكننا أن نلوم الوالدين على خوفهما على أبنائهما، فالرغبة في حمايتهم أمر طبيعي، لكن من الضروري أن تستند القرارات الصحية إلى معلومات موثوقة واستشارة طبيب مختص، لا إلى مخاوف متوارثة أو أحكام عامة لا تراعي اختلاف الحالات الطبية.

وهنا يبرز سؤال مؤلم: ما ذنب هؤلاء الأبناء إذا أصبحوا ضحايا لمعلومات خاطئة أو تأخر في التشخيص، فضاعت منهم فرصة الاستفادة من العلاج في الوقت المناسب؟ فالطفل لا يملك القرار الطبي، ولا يستطيع تقدير أهمية الفحص المبكر أو معرفة طبيعة الهرمونات المسؤولة عن نموه، وإنما يعتمد على والديه في ملاحظة التغيرات التي تطرأ على جسمه، وعلى المجتمع في تقديم المعلومات الصحيحة، وعلى المنظومة الصحية في إرشاد أسرته إلى الخطوات المناسبة.

من المؤسف أن يكتشف بعض الأطفال في أعمار متقدمة أن قصر قامتهم كان يستدعي تقييما طبيا قبل سنوات، وأن الوقت الذي مضى لا يمكن استعادته، لذلك فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على علاج الحالات التي تصل إلى العيادات، بل تشمل أيضا نشر الوعي وتصحيح المفاهيم المغلوطة حتى لا تتكرر هذه المواقف المؤلمة.

ومن المهم التأكيد أن قصر القامة لا يعني بالضرورة وجود نقص في هرمون النمو، كما أن كل طفل أقصر من أقرانه لا يحتاج إلى العلاج الهرموني، فقد يرتبط قصر القامة بعوامل وراثية أو باختلافات طبيعية في النمو، وقد ينتج عن أسباب صحية أو هرمونية أو غذائية تستدعي التقييم، أما الأطفال الذين يثبت لديهم نقص هرمون النمو، فقد يحتاجون إلى العلاج وفقا لتقييم الطبيب المختص، مع متابعة استجابتهم وتطور نموهم بصورة منتظمة.

تبقى النقطة الأهم أن التوقيت عنصر حاسم في رحلة النمو، إذ تعتمد الاستفادة من العلاج على عوامل متعددة، من بينها سبب قصر القامة، وعمر الطفل، ومرحلة نمو العظام، ومدى انفتاح صفائح النمو، وعندما تغلق هذه الصفائح لا يستطيع هرمون النمو زيادة طول العظام بالطريقة المعتادة، وهو ما يجعل التشخيص المبكر أمرا بالغ الأهمية.

إن تبعات قصر القامة لا تتوقف عند حدود القياسات الجسدية، بل قد تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، خصوصا عندما يتعرض الطفل للتنمر أو المقارنة المستمرة بأقرانه، أو يشعر بأنه مختلف عنهم، وقد ينعكس ذلك على ثقته بنفسه وعلاقاته الاجتماعية ومشاركته في الأنشطة المدرسية، إذا لم يجد الدعم والتفهم من أسرته ومحيطه، ولا يعني ذلك أن كل طفل قصير القامة سيعاني نفسيا، لكن تجاهل مشاعره أو التقليل من مخاوفه قد يزيد من صعوبة تجربته، ومن هنا فإن التعامل السليم مع الحالة يجمع بين التقييم الطبي والدعم النفسي، بعيدا عن إشعار الطفل بالنقص أو ربط قيمته الشخصية بطوله.

ومن المهم في مراحل نمو الأطفال الاهتمام بالتغذية المتوازنة والنوم الكافي والنشاط البدني، باعتبارها عناصر تدعم النمو الصحي، مع إدراك أنها لا تعوض علاج أي اضطراب هرموني أو مرضي يستلزم تدخلا متخصصا.

رسالتي إلى كل أسرة تلاحظ قصر قامة طفلها هي أن المبادرة لا تعني بالضرورة وجود مرض، لكنها تعني منح الطفل فرصة لمعرفة الحقيقة في الوقت المناسب، فقد يكون نموه طبيعيا ولا يحتاج إلى علاج، وقد تكشف الفحوصات عن سبب يستدعي التدخل والمتابعة، وفي الحالتين فإن المعرفة المبكرة أفضل من الانتظار الذي قد يضيع فرصا مهمة.

ختاما.. سؤال الطفل: هل سيزداد طولي يا دكتور؟ يستحق منا وعيا مبكرا، وتشخيصا دقيقا، ورعاية مسؤولة، حتى لا نضطر يوما إلى تقديم إجابة مؤلمة كان من الممكن تفاديها لو تم التحرك في الوقت المناسب.