كيف تجاوز ترمب الكونغرس في الحرب على إيران؟ صراع الصلاحيات بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية
الأربعاء، ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
أثارت الحرب الأمريكية على إيران جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة بشأن حدود الصلاحيات الدستورية للرئيس، ودور الكونغرس في اتخاذ قرار الحرب والسلم. فعلى الرغم من أن الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، فإن الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين استخدموا صلاحياتهم التنفيذية لبدء عمليات عسكرية خارجية من دون الحصول على تفويض مسبق من السلطة التشريعية. وفي الحالة الإيرانية، عاد هذا الخلاف إلى الواجهة مع قرار الرئيس دونالد ترمب اللجوء إلى القوة العسكرية من دون انتظار موافقة الكونغرس.
تتمثل نقطة البداية في فهم طبيعة النظام الدستوري الأمريكي، الذي يوزع سلطات الحرب بين مؤسستين رئيسيتين. فالمادة الأولى من الدستور تمنح الكونغرس صلاحيات إعلان الحرب، وتمويل القوات المسلحة، وتنظيم شؤونها، بينما تجعل المادة الثانية الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة. وقد أدى هذا التوزيع إلى خلاف مستمر حول ما إذا كان يحق للرئيس إطلاق عملية عسكرية واسعة من دون الحصول على تفويض تشريعي مسبق، أم أن مثل هذا القرار يتجاوز حدود سلطته الدستورية.
استندت إدارة ترمب إلى التفسير الواسع للصلاحيات الرئاسية، الذي يرى أن الرئيس يستطيع استخدام القوة العسكرية في ظروف معينة لحماية المصالح الأمريكية ومواجهة التهديدات الخارجية، حتى من دون إعلان رسمي للحرب. وبموجب هذا التفسير، لا تحتاج كل عملية عسكرية إلى تصويت مسبق في الكونغرس، خصوصًا عندما ترى الإدارة أن هناك ضرورة أمنية أو عسكرية تستدعي التحرك السريع.
وبناءً على هذا النهج، بدأت العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران في 28 فبراير 2026، من دون إعلان حرب رسمي من الكونغرس أو تفويض تشريعي خاص بهذه الحرب. وأخطرت الإدارة الكونغرس بالعمليات في الثاني من مارس، مستندة إلى قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973. غير أن إخطار الكونغرس يختلف قانونيًا عن طلب موافقته؛ فالإخطار يبلّغ السلطة التشريعية ببدء العمليات، لكنه لا يمنح الرئيس تلقائيًا تفويضًا مفتوحًا لمواصلة الحرب.
ويُعد قانون صلاحيات الحرب أحد أهم عناصر هذه القضية. فقد أُقرّ عام 1973 في محاولة للحد من قدرة الرئيس على إشراك القوات الأمريكية في نزاعات عسكرية طويلة من دون رقابة تشريعية. وينص القانون، في إطاره العام، على إخطار الكونغرس خلال 48 ساعة من إدخال القوات الأمريكية في الأعمال القتالية، وعلى إنهاء المشاركة العسكرية غير المأذون بها خلال 60 يومًا، مع إمكانية تمديد لا تتجاوز 30 يومًا في ظروف محددة.
لكن المشكلة تكمن في أن تطبيق هذا القانون ظل موضع خلاف بين الرؤساء والكونغرس. فالإدارات الرئاسية المتعاقبة لم تقبل دائمًا بتفسير الكونغرس لحدود القانون، كما اختلفت في تحديد الحالات التي تُعدّ مشاركة في أعمال قتالية، وفي الظروف التي تستوجب إنهاء العمليات. ولذلك فإن وجود القانون لا يعني بالضرورة أن الرئيس سيتوقف تلقائيًا عن القتال عند انتهاء المهلة، بل قد يتحول الأمر إلى مواجهة دستورية وسياسية تتطلب تدخل الكونغرس أو القضاء، بحسب طبيعة النزاع والقرارات المتخذة.
أما العامل الثاني الذي ساعد ترمب على مواصلة نهجه، فيتعلق بالتوازنات الحزبية داخل الكونغرس. فحتى عندما يعارض بعض الأعضاء الحرب، فإن تحويل هذه المعارضة إلى قرار ملزم يحتاج إلى تأمين الأصوات المطلوبة في مجلسي النواب والشيوخ. وقد يختلف الأعضاء بشأن أهداف الحرب، ومدى خطورتها، وتكاليفها، والبدائل الدبلوماسية المتاحة، فضلًا عن اعتبارات الانتماء الحزبي. وبذلك لا يكفي وجود اعتراض سياسي على الحرب لفرض إنهائها، ما لم يتحول هذا الاعتراض إلى إجراء تشريعي قادر على تجاوز العقبات الدستورية والسياسية.
وقد ظهرت هذه الإشكالية في محاولات الكونغرس تقييد صلاحيات ترمب العسكرية. فخلال عام 2026، شهدت واشنطن تحركات تشريعية تطالب بإخراج القوات الأمريكية من الأعمال القتالية ضد إيران، إلا أن هذه المحاولات واجهت انقسامات سياسية وتفسيرات متعارضة بشأن الوضع القانوني للعمليات. كما استندت الإدارة، في مرحلة من مراحل النزاع، إلى أن وقف إطلاق النار أنهى الأعمال القتالية في تلك الفترة، وهو ما أثار نقاشًا حول كيفية احتساب المهل القانونية ومدى انطباقها عند تجدد القتال.
وتكشف هذه التطورات أن المسألة لا تتعلق فقط بنصوص الدستور، بل أيضًا بقدرة المؤسسات الأمريكية على فرض تفسيرها لتلك النصوص. فالكونغرس يملك أدوات مهمة، من بينها التشريع وتخصيص الأموال اللازمة للعمليات العسكرية، بينما يمتلك الرئيس سلطة القيادة العسكرية وإدارة العمليات اليومية. لكن استخدام هذه الأدوات يتطلب إرادة سياسية وأغلبية قادرة على تحويل الاعتراض إلى قرار قابل للتنفيذ.
في المقابل، يرى معارضو الحرب أن العمليات العسكرية الواسعة والممتدة ضد دولة أخرى لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد عملية محدودة يقررها الرئيس منفردًا، وأن استمرارها من دون تفويض واضح يضعف الرقابة الديمقراطية على قرار الحرب. أما المدافعون عن الصلاحيات التنفيذية الواسعة، فيؤكدون أن الرئيس يحتاج إلى مساحة للتحرك السريع في مواجهة التهديدات، وأن اشتراط الموافقة التشريعية المسبقة في كل حالة قد يقيّد قدرة الولايات المتحدة على الاستجابة للأزمات الأمنية.
في المحصلة، لم يكن ما حدث إلغاءً لسلطة الكونغرس أو تجاوزًا نهائيًا لوجوده الدستوري، بل كان استخدامًا للصلاحيات الرئاسية لبدء العمليات العسكرية من دون موافقة مسبقة، في ظل صعوبة بناء أغلبية تشريعية قادرة على فرض قيود فعالة على الإدارة. وتبقى شرعية هذا النهج مرتبطة بمدى اتساع العمليات العسكرية وطبيعتها ومدتها، وبالتفسير القانوني لصلاحيات الرئيس وقانون صلاحيات الحرب.
وتعيد الحرب على إيران طرح سؤال جوهري في النظام السياسي الأمريكي: من يملك القرار النهائي عندما تتعارض رؤية الرئيس للأمن القومي مع رغبة أعضاء الكونغرس في تقييد استخدام القوة؟ فالدستور لا يمنح أيًا من الطرفين سلطة مطلقة في جميع الظروف، لكن الإجابة العملية تتوقف على موازين القوى السياسية، وعلى قدرة كل مؤسسة على استخدام الأدوات القانونية المتاحة لها لفرض تفسيرها لصلاحياتها.
MBNwaiser@
تتمثل نقطة البداية في فهم طبيعة النظام الدستوري الأمريكي، الذي يوزع سلطات الحرب بين مؤسستين رئيسيتين. فالمادة الأولى من الدستور تمنح الكونغرس صلاحيات إعلان الحرب، وتمويل القوات المسلحة، وتنظيم شؤونها، بينما تجعل المادة الثانية الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة. وقد أدى هذا التوزيع إلى خلاف مستمر حول ما إذا كان يحق للرئيس إطلاق عملية عسكرية واسعة من دون الحصول على تفويض تشريعي مسبق، أم أن مثل هذا القرار يتجاوز حدود سلطته الدستورية.
استندت إدارة ترمب إلى التفسير الواسع للصلاحيات الرئاسية، الذي يرى أن الرئيس يستطيع استخدام القوة العسكرية في ظروف معينة لحماية المصالح الأمريكية ومواجهة التهديدات الخارجية، حتى من دون إعلان رسمي للحرب. وبموجب هذا التفسير، لا تحتاج كل عملية عسكرية إلى تصويت مسبق في الكونغرس، خصوصًا عندما ترى الإدارة أن هناك ضرورة أمنية أو عسكرية تستدعي التحرك السريع.
وبناءً على هذا النهج، بدأت العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران في 28 فبراير 2026، من دون إعلان حرب رسمي من الكونغرس أو تفويض تشريعي خاص بهذه الحرب. وأخطرت الإدارة الكونغرس بالعمليات في الثاني من مارس، مستندة إلى قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973. غير أن إخطار الكونغرس يختلف قانونيًا عن طلب موافقته؛ فالإخطار يبلّغ السلطة التشريعية ببدء العمليات، لكنه لا يمنح الرئيس تلقائيًا تفويضًا مفتوحًا لمواصلة الحرب.
ويُعد قانون صلاحيات الحرب أحد أهم عناصر هذه القضية. فقد أُقرّ عام 1973 في محاولة للحد من قدرة الرئيس على إشراك القوات الأمريكية في نزاعات عسكرية طويلة من دون رقابة تشريعية. وينص القانون، في إطاره العام، على إخطار الكونغرس خلال 48 ساعة من إدخال القوات الأمريكية في الأعمال القتالية، وعلى إنهاء المشاركة العسكرية غير المأذون بها خلال 60 يومًا، مع إمكانية تمديد لا تتجاوز 30 يومًا في ظروف محددة.
لكن المشكلة تكمن في أن تطبيق هذا القانون ظل موضع خلاف بين الرؤساء والكونغرس. فالإدارات الرئاسية المتعاقبة لم تقبل دائمًا بتفسير الكونغرس لحدود القانون، كما اختلفت في تحديد الحالات التي تُعدّ مشاركة في أعمال قتالية، وفي الظروف التي تستوجب إنهاء العمليات. ولذلك فإن وجود القانون لا يعني بالضرورة أن الرئيس سيتوقف تلقائيًا عن القتال عند انتهاء المهلة، بل قد يتحول الأمر إلى مواجهة دستورية وسياسية تتطلب تدخل الكونغرس أو القضاء، بحسب طبيعة النزاع والقرارات المتخذة.
أما العامل الثاني الذي ساعد ترمب على مواصلة نهجه، فيتعلق بالتوازنات الحزبية داخل الكونغرس. فحتى عندما يعارض بعض الأعضاء الحرب، فإن تحويل هذه المعارضة إلى قرار ملزم يحتاج إلى تأمين الأصوات المطلوبة في مجلسي النواب والشيوخ. وقد يختلف الأعضاء بشأن أهداف الحرب، ومدى خطورتها، وتكاليفها، والبدائل الدبلوماسية المتاحة، فضلًا عن اعتبارات الانتماء الحزبي. وبذلك لا يكفي وجود اعتراض سياسي على الحرب لفرض إنهائها، ما لم يتحول هذا الاعتراض إلى إجراء تشريعي قادر على تجاوز العقبات الدستورية والسياسية.
وقد ظهرت هذه الإشكالية في محاولات الكونغرس تقييد صلاحيات ترمب العسكرية. فخلال عام 2026، شهدت واشنطن تحركات تشريعية تطالب بإخراج القوات الأمريكية من الأعمال القتالية ضد إيران، إلا أن هذه المحاولات واجهت انقسامات سياسية وتفسيرات متعارضة بشأن الوضع القانوني للعمليات. كما استندت الإدارة، في مرحلة من مراحل النزاع، إلى أن وقف إطلاق النار أنهى الأعمال القتالية في تلك الفترة، وهو ما أثار نقاشًا حول كيفية احتساب المهل القانونية ومدى انطباقها عند تجدد القتال.
وتكشف هذه التطورات أن المسألة لا تتعلق فقط بنصوص الدستور، بل أيضًا بقدرة المؤسسات الأمريكية على فرض تفسيرها لتلك النصوص. فالكونغرس يملك أدوات مهمة، من بينها التشريع وتخصيص الأموال اللازمة للعمليات العسكرية، بينما يمتلك الرئيس سلطة القيادة العسكرية وإدارة العمليات اليومية. لكن استخدام هذه الأدوات يتطلب إرادة سياسية وأغلبية قادرة على تحويل الاعتراض إلى قرار قابل للتنفيذ.
في المقابل، يرى معارضو الحرب أن العمليات العسكرية الواسعة والممتدة ضد دولة أخرى لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد عملية محدودة يقررها الرئيس منفردًا، وأن استمرارها من دون تفويض واضح يضعف الرقابة الديمقراطية على قرار الحرب. أما المدافعون عن الصلاحيات التنفيذية الواسعة، فيؤكدون أن الرئيس يحتاج إلى مساحة للتحرك السريع في مواجهة التهديدات، وأن اشتراط الموافقة التشريعية المسبقة في كل حالة قد يقيّد قدرة الولايات المتحدة على الاستجابة للأزمات الأمنية.
في المحصلة، لم يكن ما حدث إلغاءً لسلطة الكونغرس أو تجاوزًا نهائيًا لوجوده الدستوري، بل كان استخدامًا للصلاحيات الرئاسية لبدء العمليات العسكرية من دون موافقة مسبقة، في ظل صعوبة بناء أغلبية تشريعية قادرة على فرض قيود فعالة على الإدارة. وتبقى شرعية هذا النهج مرتبطة بمدى اتساع العمليات العسكرية وطبيعتها ومدتها، وبالتفسير القانوني لصلاحيات الرئيس وقانون صلاحيات الحرب.
وتعيد الحرب على إيران طرح سؤال جوهري في النظام السياسي الأمريكي: من يملك القرار النهائي عندما تتعارض رؤية الرئيس للأمن القومي مع رغبة أعضاء الكونغرس في تقييد استخدام القوة؟ فالدستور لا يمنح أيًا من الطرفين سلطة مطلقة في جميع الظروف، لكن الإجابة العملية تتوقف على موازين القوى السياسية، وعلى قدرة كل مؤسسة على استخدام الأدوات القانونية المتاحة لها لفرض تفسيرها لصلاحياتها.
MBNwaiser@