وثنية "حب الذات".. الخلاص الوهمي في عصر الفردانية
الأربعاء، ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
تحت ستار "حب الذات"، سُوِّق لنا في العصر الحديث واحد من أكثر الأوهام قسوة وتفكيكًا للروح الإنسانية: وهم أن الخلاص يبدأ حين ينكمش المرء داخل قوقعة (الأنا)، وأن السعادة غنيمة فردية تُنال بإلغاء الواجب وإعلاء شأن المتعة المجردة فوق كل رباط.
لقد تحولت تلك الشعارات البراقة من دعوة فطرية لحفظ الكرامة وسلامة الباطن إلى عبادة صريحة للذات واستقالة جماعية من أخلاق المسؤولية. قيل للإنسان "عليك بنفسك" فظن أن النجاة تكون بإفلات يده من أيدي ذويه، وقيل له "دلل ذاتك" فاستبدل بذل العطاء بنشوة الأخذ الرخيصة، وقيل له "ضع حدودًا" فرفع قلاعًا من الجفاء والقطيعة تحت لافتة "التعافي"، وما كانت النتيجة إلا هذا الجفاف الروحي الذي نراه اليوم، كائنات متخمة بالحسابات الفردية لكنها جائعة للألفة، مسكونة بالوحشة، وهشة أمام أول عاصفة!
حين كانت الأسرة هي المركز والبوصلة لم تكن التضحية نقيصة، بل كانت البرهان الأصدق على المحبة، وكان التنازل عن نزوة عابرة من أجل بقاء الكل شرفًا يصقل النفس ويرفعها عن الدناءة، كانت القيم تقاس بقدر ما نمنح لا بقدر ما ننتزع من الحياة؛ فكان للوفاء معنى، وللصبر طعم النبل، وللبيت حرمة لا تُخترق؛ لأن أفراده يرون أنفسهم أجزاءً من لوحة كبرى، لا آلهة صغيرة في محراب مغلق!
إن المفارقة الأكثر إيلامًا في صرعة "تقديس النفس" هي أنها وعدت البشر بالسلام ولم تورثهم سوى البؤس، ذلك أن النفس حين تترك لشهواتها وتتحرر من كل التزام لا تشبع، بل تغدو طاغية لا يرويها شيء!!
الإنسان بطبعه كائن لا يكتمل إلا بالآخر، ولا يجد معناه في المرآة بل في نظرة الامتنان في عين والد، وفي سكون طفل ينام آمنًا في كنفه، وفي ثبات يد تشد على يد رفيق عند الملمات.
إن الروح لا تشفى بالانكفاء والاعتزال بل بالامتداد والاتصال، ولا تنال حريتها بالتنصل من الروابط بل بالارتقاء إلى مستوى الوفاء بها. وشتان بين صيانة الكرامة (التي هي حصانة فطرية ونبل إنساني) وبين تدليل الأنانية الذي حول البيوت إلى فنادق باردة، والقلوب إلى قلاع موحشة، وجعل من الإنسان ذئبًا وحيدًا يظن عزلته انتصارًا وهي في حقيقتها عين الهزيمة.
لقد آن الأوان لنرد الاعتبار لمعاني التضحية والواجب، وأن ندرك أن حب الذات الحقيقي لا يكون بجعلها صنمًا يُعبد ومحورًا يدور العالم حوله، بل بتزكيتها لتكون أهلًا للأمانة وكتفًا يستند إليه المتعبون، فالشجرة لا تستمد مجدها من حبس مائها لجذورها بل بما تجود به من ثمر وما تبسطه من ظل. وأعظم النفوس هي تلك التي تجد كمالها في البذل، لا تلك التي تحسب غنائمها بما انتزعته وأبقت عليه خلف الأبواب المغلقة.
لقد تحولت تلك الشعارات البراقة من دعوة فطرية لحفظ الكرامة وسلامة الباطن إلى عبادة صريحة للذات واستقالة جماعية من أخلاق المسؤولية. قيل للإنسان "عليك بنفسك" فظن أن النجاة تكون بإفلات يده من أيدي ذويه، وقيل له "دلل ذاتك" فاستبدل بذل العطاء بنشوة الأخذ الرخيصة، وقيل له "ضع حدودًا" فرفع قلاعًا من الجفاء والقطيعة تحت لافتة "التعافي"، وما كانت النتيجة إلا هذا الجفاف الروحي الذي نراه اليوم، كائنات متخمة بالحسابات الفردية لكنها جائعة للألفة، مسكونة بالوحشة، وهشة أمام أول عاصفة!
حين كانت الأسرة هي المركز والبوصلة لم تكن التضحية نقيصة، بل كانت البرهان الأصدق على المحبة، وكان التنازل عن نزوة عابرة من أجل بقاء الكل شرفًا يصقل النفس ويرفعها عن الدناءة، كانت القيم تقاس بقدر ما نمنح لا بقدر ما ننتزع من الحياة؛ فكان للوفاء معنى، وللصبر طعم النبل، وللبيت حرمة لا تُخترق؛ لأن أفراده يرون أنفسهم أجزاءً من لوحة كبرى، لا آلهة صغيرة في محراب مغلق!
إن المفارقة الأكثر إيلامًا في صرعة "تقديس النفس" هي أنها وعدت البشر بالسلام ولم تورثهم سوى البؤس، ذلك أن النفس حين تترك لشهواتها وتتحرر من كل التزام لا تشبع، بل تغدو طاغية لا يرويها شيء!!
الإنسان بطبعه كائن لا يكتمل إلا بالآخر، ولا يجد معناه في المرآة بل في نظرة الامتنان في عين والد، وفي سكون طفل ينام آمنًا في كنفه، وفي ثبات يد تشد على يد رفيق عند الملمات.
إن الروح لا تشفى بالانكفاء والاعتزال بل بالامتداد والاتصال، ولا تنال حريتها بالتنصل من الروابط بل بالارتقاء إلى مستوى الوفاء بها. وشتان بين صيانة الكرامة (التي هي حصانة فطرية ونبل إنساني) وبين تدليل الأنانية الذي حول البيوت إلى فنادق باردة، والقلوب إلى قلاع موحشة، وجعل من الإنسان ذئبًا وحيدًا يظن عزلته انتصارًا وهي في حقيقتها عين الهزيمة.
لقد آن الأوان لنرد الاعتبار لمعاني التضحية والواجب، وأن ندرك أن حب الذات الحقيقي لا يكون بجعلها صنمًا يُعبد ومحورًا يدور العالم حوله، بل بتزكيتها لتكون أهلًا للأمانة وكتفًا يستند إليه المتعبون، فالشجرة لا تستمد مجدها من حبس مائها لجذورها بل بما تجود به من ثمر وما تبسطه من ظل. وأعظم النفوس هي تلك التي تجد كمالها في البذل، لا تلك التي تحسب غنائمها بما انتزعته وأبقت عليه خلف الأبواب المغلقة.