تفاعل

من ينصف التاريخ؟!

إن الناظر في الكتابات والمؤلفات التاريخية بشكل عام يجد أن العلماء والكتاب المسلمين من أكثر الناس إنصافاً لكل حقبة زمنية، خاصة تلك التي عاصروها، وكذلك الحقب التي نقلوا أخبارها عن علماء آخرين اتسموا بالإنصاف ذاته.

وإذا أردنا التمثيل لذلك، فسنجد تاريخ الأندلس، وهو تاريخ حقبة مستنيرة تحظى بالتقدير لدى كل مسلم سمع عنها أو تمنى أن يعاصرها، وقد اتسمت بالنهضة والحضارة التي امتد تأثيرها إلى البلدان المجاورة، التي كان كثير منها غارقاً في ظلمات العصور الوسطى!

إن الميول العاطفية أو الدينية لا يمكن للإنسان أن يتجرد منها تماماً بحكم انتمائه إليها، لكن الإنصاف عزيز جداً، وهو ما يميز الكاتب المسلم بشكل عام؛ لتحليه بالأمانة النابعة من دينه وضميره الحي، قبل التزامه بالأمانة البحثية أو الأكاديمية.

وهذا لا يمنع من وجود كتاب غير مسلمين اتصفوا بالعدل والإنصاف في تناول الحقب التاريخية، بما في ذلك الحقب الإسلامية المتعددة، وقد تجلى ذلك لدى قلة من الكتاب والباحثين المستشرقين الذين أنصفوا التاريخ الإسلامي، ومنه التاريخ الأندلسي، الذي سبقت الإشارة إليه.

وذلك على خلاف أكثرهم ممن زيفوا التاريخ الإسلامي وشوهوه، حتى زعم بعضهم أن الكتاب المسلمين كانوا يقتاتون على حضارات الشعوب الأخرى، في محاولة لإسقاط ما يتصفون به على غيرهم، والتهرب من النقد الذي قد يوجهه إلى كتاباتهم المثقفون والكتاب الآخرون، سواء من المسلمين أو من أبناء جلدتهم. وهو ما يعد سرقة لجهود الكتاب المسلمين المخلصين خاصة، ونسفاً لجهود بعض المنصفين من غير المسلمين عامة.

وهذا لا يعني أيضاً أن بعض كتابات المؤلفين المنتسبين إلى الإسلام لم تطلها المغالطات والمبالغات تبعاً لتوجهات أصحابها، لكن قلما نرى هذه الكتابات تمر مرور الكرام دون أن تخضع للنقد الموضوعي من الكتاب المسلمين المعتدلين، الذين يتصدون لبيان مغالطاتها وشبهاتها والرد عليها، سواء أكانت ذات طابع ديني أم تاريخي أم فلسفي أم حتى تغريبي.

ويحق لنا أن نفخر بهذا الكم من الإرث الفكري الثري، الذي خضع للتنقيح بميزان الاعتدال، مع إيماننا باختلاف الآراء؛ فكتابة التاريخ ليست وحياً معصوماً من اللبس والخطأ، لكن يكفي المنصفين ما بذلوه من جهود كبيرة في تنقيحه وتحري أصحه.