نحو مدارس بحثية ذات هوية محلية
الأربعاء، ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦حين تأسس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عام 1861، ارتبطت رسالته بحاجات الصناعة الأمريكية آنذاك. وسارت جامعة ستانفورد في الاتجاه نفسه حين أنشأت حديقتها الصناعية عام 1951، التي أسهمت في نشأة وادي السيليكون. وتشير بيانات منصة Dealroom إلى أن المعهد أنتج 925 شركة منبثقة، مقابل 715 لستانفورد. وفي ألمانيا، تؤكد جامعة ميونخ التقنية (TUM) أنها أسهمت في تأسيس 115 شركة ناشئة خلال عام 2025 وحده. وتكشف هذه التجارب أن قيمة الجامعة تتجاوز إنتاج المعرفة إلى تحويلها إلى تقنيات وشركات وصناعات.
ما الذي جعل هذه الجامعات مصدرا للابتكار الصناعي، بينما تنشغل جامعات أخرى بملاحقة التصنيفات؟ يكتسب السؤال أهمية خاصة في المملكة، حيث حققت الجامعات نموا ملحوظا في النشر العلمي والتعاون الدولي، لكن اتساع الإنتاج البحثي لا يكفي للحكم على أثره الاقتصادي أو قدرته على بناء مدارس بحثية ذات هوية محلية.
وقد تناولت في مقالين سابقين في هذه الصحيفة تحديات البحث والابتكار في الجامعات السعودية (26 يوليو 2026)، والأعباء الإدارية والفنية التي تثقل كاهل الأستاذ الجامعي (18 مايو 2026). كما أشار حسان المرشد في صحيفة عكاظ (20 فبراير 2026) إلى ظاهرة «بورصة النشر»، وما تعكسه من تغليب المؤشرات الرقمية على القيمة العلمية. ومن مظاهر هذه الإشكالية الاحتفاء بقائمة «أفضل 2% من العلماء»، التي تُنسب إعلاميا إلى جامعة ستانفورد، رغم أنها قائمة ببليومترية أعدها جون إيوانيديس وفريقه اعتمادا على بيانات Scopus، ولا تصلح وحدها معيارا للحكم على جودة البحث أو أثره.
ولا تكمن المشكلة في النشر أو التعاون الدولي بذاتهما، بل في تحولهما أحيانا إلى غايتين مستقلتين عن الأولويات الوطنية. فالشراكات التي لا تنقل المعرفة، ولا تمنح الباحث المحلي دورا قياديا، ولا تؤسس لقدرات تقنية مستدامة، تظل محدودة الأثر مهما ارتفعت أعداد منشوراتها.
وفي هذا السياق، مثّل إنشاء أودية التقنية في الجامعات السعودية مبادرة مهمة لربط البحث العلمي بالصناعة وتحويل المعرفة إلى منتجات قابلة للتسويق، وهو ما أكدته وزارة التعليم العالي عند عرض أهداف هذه المبادرة عام 2014. وقد ظهرت تجارب جامعية واعدة، منها شركة مزارع البحر الأحمر (Red Sea Farms) المنبثقة من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، التي طورت تقنيات للزراعة باستخدام المياه المالحة، ووصلت منتجاتها إلى الأسواق، وفق ما أعلنته كاوست عام 2020. كما طورت شركة سديم (Sadeem) أنظمة استشعار لمراقبة السيول والمرور والظروف البيئية، ونفذت مشروعات في المملكة وخارجها، بحسب تقرير كاوست المنشور عام 2019.
ومع أهمية هذه التجارب، فإن تطور منظومة أودية التقنية يستدعي تقييما مستقلا ودوريا لما حققته من نتائج، يتجاوز أعداد الشركات المحتضنة وبراءات الاختراع إلى قياس المنتجات المسوقة والإيرادات والوظائف والقيمة المضافة للاقتصاد الوطني. وينبغي التمييز هنا بين الشركات المنبثقة من أبحاث جامعية أصيلة وتلك التي تستفيد من خدمات الاحتضان، حتى لا تُنسب جميع المخرجات إلى النشاط البحثي للجامعة.
وقد قدمت كاوست نموذجا يستحق الدراسة حين أعلنت في 7 أكتوبر 2026 نتائج تقييم مستقل قدّر أثرها الاقتصادي السنوي بنحو 5.6 مليارات دولار، ودعم ما يعادل 28,800 وظيفة بدوام كامل. ومع أن هذه النتائج تشمل مختلف أنشطة الجامعة، فإنها توضح أهمية الانتقال من سرد المنجزات إلى قياس الأثر الفعلي.
إن تحويل الجامعات إلى مصادر مستدامة لنقل وتطوير التقنية والصناعة يبدأ من بناء مدارس بحثية وطنية رصينة، لا بوصفها مسميات إدارية أو مراكز مؤقتة، بل مجموعات علمية مستقرة يقودها باحثون متمكنون، وتضم أساتذة وباحثين متفرغين وطلاب دراسات عليا وفنيين، وتعمل ضمن برامج طويلة الأمد لمعالجة مشكلات وطنية محددة. فالمدرسة البحثية تنمو بتراكم المعرفة والخبرة واستمرار الأجيال العلمية، وليس بتعاقب المشروعات القصيرة أو تغير الأولويات مع كل دورة تمويل.
ويتطلب ذلك تمويلا مؤسسيا مستقرا، وتخفيف الأعباء التدريسية والإدارية عن الباحثين، وإعادة النظر في معايير التقييم والترقية، وتعزيز الشراكات الصناعية منذ تحديد المشكلة البحثية وحتى تطوير الحل وتسويقه. كما ينبغي أن يكون التعاون الدولي رافعة لبناء القدرات المحلية، لا بديلا عنها، مع تمكين الباحث السعودي من قيادة المشروعات المرتبطة بالأولويات الوطنية.
الخلاصة: إن توطين البحث لا يعني الانغلاق على المعرفة العالمية، بل امتلاك القدرة على إنتاجها وتوظيفها وفق احتياجاتنا. والمطلوب ليس التوسع في إنشاء المراكز وأودية التقنية قبل تقييم القائم منها، وإنما بناء منظومة تجعل الجامعة مصدرا للأفكار والتقنيات والصناعات. فالجامعة المؤثرة ليست التي تنشر أكثر أو تتقدم في التصنيفات فحسب، بل التي تؤسس مدارس علمية تستمر لأجيال، وتنتج من مختبراتها ابتكارات وشركات قادرة على المنافسة، وتسهم بصورة ملموسة في تنمية الاقتصاد الوطني.