الرأي

الوعي السياسي: طريق لمحاربة الفساد السياسي


لا يوجد في ممارسة السياسة - وفي الإنسان - الكمال. فالكمال للخالق وحده. وبالتالي، يصعب منع الاستبداد تماما، والتخلص منه مئة في المئة، مهما كانت آلية منع الاستبداد محكمة.

في معظم المجتمعات الجديدة، تقريبا، يسود بين عامة الناس جهل بالسياسة، أو عدم اكتراث بها، إضافة الى إساءة فهم الكثير من مفاهيمها الحديثة. أي أن درجة «الوعي السياسي» بهذه المجتمعات متدنية عن الحد المعقول، ولكنها قابلة للنمو. وغالبا لا يتوفر الوعي السياسي، بدرجة معقولة، إلا في الشعوب النابهة والمتعلمة. ويعرف «الوعي السياسي» (Political Awareness) كالتالي: مدى ما لدى الإنسان من معرفة وإحاطة بظروف وواقع مجتمعه ومنطقته والعالم السياسية (مدى معرفته لما هو كائن) ومدى إلمامه بالبدائل السياسية (الأفضل والأسوأ) الممكنة والمتاحة... كأطر حياة عامة، وكحلول لما يعتري مجتمعه، وغيره، من مشاكل تتعلق بالإدارة العليا للبلاد، وبالسلطة السياسية (مدى معرفة ما ينبغي أن يكون) ومدى فهمه للمفاهيم والمصطلحات السياسية الرئيسة، السائدة والممكنة.

ومن هذا التعريف، يمكن أن نقول إن أهم عناصر الوعي السياسي لأي إنسان راشد عاقل هي:-
- معرفة الواقع السياسي العام لمجتمعه ومنطقته والعالم من حوله. والمقصود إحاطة ومعرفة حقيقية بظروف وطبيعة ذلك الواقع السياسي وماهيته الحقيقية. (معرفة ما هو كائن).
- إلمام الشخص بالبدائل السياسية الممكنة والمتاحة، كأطر مجتمعية، وكحلول لما يعتري المجتمع المعني من مشاكل سياسية تنجم عنها مشاكل مختلفة (معرفة منطقية لما يجب أن يكون).
- فهم معقول وصحيح للمفاهيم والمصطلحات والتيارات السياسية الرئيسية السائدة والممكنة، وفهم مغازيها وأبعادها، وفهم الأحزاب التي تمثل كل تيار سياسي.
ولعل من أهم إيجابيات ارتفاع درجة الوعي السياسي لأي شعب، هي التالي:
- الإلمام بالحقوق والواجبات السياسية: ثبت أنه كلما ارتفع مستوى فهم أي إنسان راشد عاقل، لواقعه السلطوي السياسي، وللواقع السياسي الذي يسود في منطقته والعالم من حوله، وارتقى إلمامه بالبدائل السياسية المتاحة والممكنة (للواقع السياسي لمجتمعه وللعالم - بصفة عامة) وزاد إلمامه بمعاني وأبعاد المفاهيم والمصطلحات السياسية الرئيسة، السائدة والممكنة... ارتفع وعي ذلك الإنسان السياسي، والعكس صحيح. وكلما ارتفع وعي الإنسان السياسي، ارتفع إلمامه بحقوقه وواجباته السياسية. والعكس صحيح، أي كلما انخفض وعي الإنسان السياسي، انخفض إدراكه لحقوقه وواجباته السياسية. الأمر الذي قد يؤثر بالسلب على حياته وحياة مجتمعه.
- المساهمة في مكافحة الفساد السياسي: وتتجلى أهمية الوعي السياسي الحاسمة أيضا في أنه: كلما كان الوعي السياسي العام في مجتمع ما مرتفعا، ارتفعت المساءلة الشعبية الواعية، وقلت (مثلا) إمكانية تواجد ما يسمى بـ«الفساد السياسي» في ذلك المجتمع. والعكس صحيح. وهذه الحقيقة توضح الأثر الإيجابي العظيم للوعي السياسي في مدى رقي الأمم وتقدمها، خاصة إذا سلمنا بأن «الفساد السياسي» غالبا ما يكون مصدر وأساس كل «فساد» آخر قد يوجد في المجتمع.
- الإقبال على المشاركة السياسية: لا تخفى أهمية المشاركة الشعبية في أمور الشأن العام لأي مجتمع، والتي يشار إليها بـ«المشاركة السياسية». وكلما ارتفعت هذه المشاركة وحسن نوعها، صب ذلك في مصلحة البلد المعني، برفع مستوى المساءلة السياسية للساسة والمسؤولين. الأمر الذي يدعم المردود الإيجابي للعملية الديمقراطية، ولأداء الساسة. وقد لوحظ أن: المشاركة السياسية تقل كلما قل الوعي السياسي، وتزيد وتتصاعد كلما زاد ذلك الوعي.
لذلك، نجد الأمم المتقدمة تهتم (غالبا) بتنمية الوعي السياسي داخلها لأقصى حد ممكن، ويكون الوعي السياسي فيها مرتفعا. بينما يلاحظ انخفاض الوعي السياسي في الدول المتخلفة... وعدم اكتراث جاد بتنميته. بل قد يوجد فيها ما يجعل الوعي السياسي في انخفاض مستمر، وتدهور متواصل، الأمر الذي يكرس التخلف السياسي، والتخلف في شتى مجالات الحياة.
إن السياسي هو إنسان فيه خصائص وغرائز الإنسان. ولا صحة للادعاء بأن السياسيين هم أكثر الناس كذبا ونفاقا، وتحايلا. ولكن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. إن السياسي الذي ليس عليه ضوابط وقيود ومساءلة قد يرتكب، في حق شعبه وأمته، أكبر الجرائم والخطايا.