على هامش الأحداث: الاستعمار الجديد
الثلاثاء، ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦
عرف عالمنا الاستعمار القديم: حين كانت الجيوش الأجنبية تغزو البلدان، وتحتل الأرض، وتفرض الاتفاقيات السياسية بالقوة العسكرية المباشرة، فالاستعمار القديم واضح: يراه أبناء المستعمرات في حاكم أجنبي وجيوش احتلال، كما يرونه في مؤسسات وشركات أجنبية تنهب ثروات البلدان التي تم احتلالها، كما فعل الاستعمار البريطاني في الهند.
والمستعمر القديم يفرض لغته بالقوة ويقوم بتغيير المناهج التعليمية، كما فعل بالجزائر، وقد يقوم بتسخير العمالة اليدوية لأبناء المستعمرات في المزارع والمناجم، كما فعل الاستعمار البلجيكي للكونغو، إلخ.
لكن التاريخ أثبت أن الاستعمار القديم مكلف عسكريا وبشريا، وأنه يتعرض لمقاومة شرسة، فقامت في مواجهته حركات التحرر الوطني بمختلف صورها: من العصيان المدني إلى المقاومة المسلحة، حتى كاد الاستعمار القديم أن يختفي من الخارطة السياسية.
وعندها ظهر الاستعمار الحديث: القائم على التبعية، دون احتلال مباشر.
فالاستعمار الحديث لا يقوم على الجيوش الأجنبية واحتلال الأراضي، بل يقوم على "نظام دولي" تفرضه القوى العظمى من خلال منظمات وقوى دولية تفرض قراراتها السياسية، وتؤسس للتبعية من خلال الحروب الإقليمية، والديون السيادية، وصندوق النقد الدولي، ودبلوماسية المساعدات المشروطة، والشركات العابرة للقارات، وغيرها.
كما تترسخ التبعية من خلال الغزو الثقافي والفكري، والمؤسسات الثقافية الكبرى، والنظم التعليمية الغربية، والإعلام الدولي الذي يشكل الرأي العام.
لكن الاستعمار الحديث أصبح يلقى هو الآخر مقاومة شديدة، خاصة في ضوء الوعي المتزايد، وصعود قوى جديدة، والصراعات الدائمة التي يتسبب فيها الاستعمار الحديث ولا ينهيها، بل يقوم بـ"إدارة" الصراعات بما يخدم مصالحه!
وهناك رفض متزايد للتبعية: سواء كان الرفض على مستوى تحالفات، مثل منظمة بريكس BRICS، أو على مستوى دول منفردة تتمسك بسيادتها، أو على مستوى شعوب تقاوم الغزو الفكري والثقافي وتتمسك بإرثها الحضاري والديني وقيمها المجتمعية، أو غير ذلك.
وهنا ظهر في عالمنا المعاصر نوع جديد من الاستعمار: وهو "الاستعمار التقني أو السيبراني".
وهذا الاستعمار الجديد مبني على بيانات تجمعها الشركات الكبرى من مختلف أنحاء العالم، بتعاون كامل من الفئات المستهدفة:
حيث يفتح الناس حسابات في فيسبوك ويودعون رسائلهم الهامة في البريد الالكتروني ويتابعون أسئلتهم واهتماماتهم الشخصية في قوقل وشات جيبيتي.
ولا تتردد شركات حيوية عن كشف أشد المعلومات حساسية عن أعمالها وخططها في برنامج أوراكل Oracle، وغيرها من برامج يدفعون ثمنها غاليا، وتعتمد حكومات على خوادم ومراكز بيانات تملكها جهات أجنبية لتخزين ومعالجة بياناتها الوطنية الصحية، أو الاقتصادية، أو غيرها من البيانات الحساسة.
بينما الشركات التقنية الكبرى وخوارزمياتها تخزن وتحلل جميع تلك البيانات، ما يشكل خطورة كبيرة: سواء من ناحية احتمال تسريب البيانات، أو التجسس السيبراني، أو استخدام هذه البيانات كأداة ضغط سياسي أو اقتصادي، أو ابتزاز صناع القرار، أو استغلال البيانات الحيوية والبصمات الوراثية والتاريخ المرضي للشعوب، لمعرفة نقاط الضعف الديموغرافية، وربما استخدام تلك المعرفة في تطوير أسلحة بيولوجية ضدها، إلخ.. أو قد يصل الأمر - في حالة الخلاف السياسي - إلى تجميد الأصول الرقمية للدولة، أو تجميد حساباتها، إلخ.
وفي الوقت ذاته تقوم منصات التواصل العالمية بتشكيل السلوك الاجتماعي، وتوجيه الرأي العام، وترويج الرؤية السياسية المطلوبة لشعوب تلك الدول، بما يتوافق مع مصالح وأهداف الجهات التي تبرمج الخوارزميات وتدير هذه المنصات.
والخلاصة أن فقدان "السيادة الرقمية" يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي لتلك الشعوب.
والخطورة التي لا يدركها الكثيرون حول العالم أن جميع بيانات مستخدمي الفضاء السيبراني يمكن أن تصل في النهاية إلى إسرائيل: سواء عن طريق البوابات الخلفية للبرامج Backdoors، أو عن طريق عملاء إسرائيل في شركات التقنية الكبرى والمنتشرين حول العالم، أو عن طريق برامج التجسس الإسرائيلية، أو عن طريق العديد من الشركات الكبرى المتخصصة في مجالات التواصل الاجتماعي أو الذكاء الاصطناعي أو تحليل البيانات الضخمة (Big Data)... وغيرها من شركات تقنية كبرى تديرها أو تمتلكها شخصيات موالية لإسرائيل، وتعتبر داعما أساسيا لقطاعات الدفاع والإعلام والتكنولوجيا الإسرائيلية:
مثل شركة أوراكل العملاقة في مجال تحليل وإدارة البيانات، وهي شركة تستخدمها حوالي 430 ألف جهة حول العالم، ويملك الحصة الأكبر فيها لاري إليسون Larry Ellison، أحد أكبر المتبرعين للجيش الإسرائيلي.
وشركة ميتا Meta للتواصل الاجتماعي، التي يمتلك الحصة الأكبر فيها أحد مؤيدي إسرائيل: مارك زوكربرغ Mark Zuckerberg، وشركة ميتا تمتلك منصات واتساب، وفيسبوك، وإنستغرام، وجميعها منصات تطور خوارزميات تدعم إسرائيل.
وشركة إنفيديا (Nvidia)التي تعتبر الأقوى عالميا في صناعة شرائح معالجة البيانات والذكاء الاصطناعي، ومؤسس شركة إنفيديا ورئيسها التنفيذي جنسن هوانغ Jensen Huang يرتبط بعلاقة استراتيجية مع إسرائيل، حيث يعمل الآلاف من مهندسي إنفيديا في مراكز إسرائيلية لتطوير الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الفائقة.
والخلاصة أن فكرة الاستعمار قد تطورت على مدى التاريخ، وأن التطور الكبير في مجال الخوارزميات والذكاء الصناعي أصبح يسمح بالتحكم في البيانات الضخمة والبنية التحتية التكنولوجية للدول المستهدفة، كما يتحكم في عقول الناس وتصوراتهم السياسية والاجتماعية، وحتى الدينية.
وبتعبير آخر، إنه يسمح بالاستعمار التقني: وهو تحديدا نوع الاستعمار الذي قد تسعى إسرائيل لتحقيقه في منطقتنا، ما سوف يدخل الصراع العربي الإسرائيلي إلى مرحلة جديدة أخطر من سابقتها.
فإسرائيل تدرك أن بقاءها كدولة استعمار استيطاني وفصل عنصري أمر غير ممكن في عالم اليوم، مهما توفر لها من دعم غربي، ومهما تسلحت بالسلاح النووي.
ولا شك عندي أن إسرائيل تبحث لنفسها عن "صيغة جديدة" ترسخ وجودها في المنطقة، وتزيد من نفوذها.
و"الاستعمار التقني أو السيبراني" أحد أهم الوسائل التي تمكنها من ذلك، لأنها وسيلة ناعمة وغير مباشرة: لا يشعر بها أحد، بل يعتقد كل فرد تحت سيطرتها أنه حر حرية كاملة!
وهنا أود أن أشير إلى رواية بعنوان "1984"، كتبها جورج أورويل George Orwell، وتم نشرها عام 1949، وهي رواية تصف دولة تسيطر عن طريق شاشات تراقب الناس فردا فردا، وتقوم بـ"تزييف" الوعي الجماعي، وتتحكم في عقول الناس وسلوكهم.
وقد كانت تلك الرواية من باب الخيال العلمي البعيد عندما نشرت، لكن عالمنا المعاصر لم يعد بعيدا عن خيال جورج أورويل.
والمستعمر القديم يفرض لغته بالقوة ويقوم بتغيير المناهج التعليمية، كما فعل بالجزائر، وقد يقوم بتسخير العمالة اليدوية لأبناء المستعمرات في المزارع والمناجم، كما فعل الاستعمار البلجيكي للكونغو، إلخ.
لكن التاريخ أثبت أن الاستعمار القديم مكلف عسكريا وبشريا، وأنه يتعرض لمقاومة شرسة، فقامت في مواجهته حركات التحرر الوطني بمختلف صورها: من العصيان المدني إلى المقاومة المسلحة، حتى كاد الاستعمار القديم أن يختفي من الخارطة السياسية.
وعندها ظهر الاستعمار الحديث: القائم على التبعية، دون احتلال مباشر.
فالاستعمار الحديث لا يقوم على الجيوش الأجنبية واحتلال الأراضي، بل يقوم على "نظام دولي" تفرضه القوى العظمى من خلال منظمات وقوى دولية تفرض قراراتها السياسية، وتؤسس للتبعية من خلال الحروب الإقليمية، والديون السيادية، وصندوق النقد الدولي، ودبلوماسية المساعدات المشروطة، والشركات العابرة للقارات، وغيرها.
كما تترسخ التبعية من خلال الغزو الثقافي والفكري، والمؤسسات الثقافية الكبرى، والنظم التعليمية الغربية، والإعلام الدولي الذي يشكل الرأي العام.
لكن الاستعمار الحديث أصبح يلقى هو الآخر مقاومة شديدة، خاصة في ضوء الوعي المتزايد، وصعود قوى جديدة، والصراعات الدائمة التي يتسبب فيها الاستعمار الحديث ولا ينهيها، بل يقوم بـ"إدارة" الصراعات بما يخدم مصالحه!
وهناك رفض متزايد للتبعية: سواء كان الرفض على مستوى تحالفات، مثل منظمة بريكس BRICS، أو على مستوى دول منفردة تتمسك بسيادتها، أو على مستوى شعوب تقاوم الغزو الفكري والثقافي وتتمسك بإرثها الحضاري والديني وقيمها المجتمعية، أو غير ذلك.
وهنا ظهر في عالمنا المعاصر نوع جديد من الاستعمار: وهو "الاستعمار التقني أو السيبراني".
وهذا الاستعمار الجديد مبني على بيانات تجمعها الشركات الكبرى من مختلف أنحاء العالم، بتعاون كامل من الفئات المستهدفة:
حيث يفتح الناس حسابات في فيسبوك ويودعون رسائلهم الهامة في البريد الالكتروني ويتابعون أسئلتهم واهتماماتهم الشخصية في قوقل وشات جيبيتي.
ولا تتردد شركات حيوية عن كشف أشد المعلومات حساسية عن أعمالها وخططها في برنامج أوراكل Oracle، وغيرها من برامج يدفعون ثمنها غاليا، وتعتمد حكومات على خوادم ومراكز بيانات تملكها جهات أجنبية لتخزين ومعالجة بياناتها الوطنية الصحية، أو الاقتصادية، أو غيرها من البيانات الحساسة.
بينما الشركات التقنية الكبرى وخوارزمياتها تخزن وتحلل جميع تلك البيانات، ما يشكل خطورة كبيرة: سواء من ناحية احتمال تسريب البيانات، أو التجسس السيبراني، أو استخدام هذه البيانات كأداة ضغط سياسي أو اقتصادي، أو ابتزاز صناع القرار، أو استغلال البيانات الحيوية والبصمات الوراثية والتاريخ المرضي للشعوب، لمعرفة نقاط الضعف الديموغرافية، وربما استخدام تلك المعرفة في تطوير أسلحة بيولوجية ضدها، إلخ.. أو قد يصل الأمر - في حالة الخلاف السياسي - إلى تجميد الأصول الرقمية للدولة، أو تجميد حساباتها، إلخ.
وفي الوقت ذاته تقوم منصات التواصل العالمية بتشكيل السلوك الاجتماعي، وتوجيه الرأي العام، وترويج الرؤية السياسية المطلوبة لشعوب تلك الدول، بما يتوافق مع مصالح وأهداف الجهات التي تبرمج الخوارزميات وتدير هذه المنصات.
والخلاصة أن فقدان "السيادة الرقمية" يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي لتلك الشعوب.
والخطورة التي لا يدركها الكثيرون حول العالم أن جميع بيانات مستخدمي الفضاء السيبراني يمكن أن تصل في النهاية إلى إسرائيل: سواء عن طريق البوابات الخلفية للبرامج Backdoors، أو عن طريق عملاء إسرائيل في شركات التقنية الكبرى والمنتشرين حول العالم، أو عن طريق برامج التجسس الإسرائيلية، أو عن طريق العديد من الشركات الكبرى المتخصصة في مجالات التواصل الاجتماعي أو الذكاء الاصطناعي أو تحليل البيانات الضخمة (Big Data)... وغيرها من شركات تقنية كبرى تديرها أو تمتلكها شخصيات موالية لإسرائيل، وتعتبر داعما أساسيا لقطاعات الدفاع والإعلام والتكنولوجيا الإسرائيلية:
مثل شركة أوراكل العملاقة في مجال تحليل وإدارة البيانات، وهي شركة تستخدمها حوالي 430 ألف جهة حول العالم، ويملك الحصة الأكبر فيها لاري إليسون Larry Ellison، أحد أكبر المتبرعين للجيش الإسرائيلي.
وشركة ميتا Meta للتواصل الاجتماعي، التي يمتلك الحصة الأكبر فيها أحد مؤيدي إسرائيل: مارك زوكربرغ Mark Zuckerberg، وشركة ميتا تمتلك منصات واتساب، وفيسبوك، وإنستغرام، وجميعها منصات تطور خوارزميات تدعم إسرائيل.
وشركة إنفيديا (Nvidia)التي تعتبر الأقوى عالميا في صناعة شرائح معالجة البيانات والذكاء الاصطناعي، ومؤسس شركة إنفيديا ورئيسها التنفيذي جنسن هوانغ Jensen Huang يرتبط بعلاقة استراتيجية مع إسرائيل، حيث يعمل الآلاف من مهندسي إنفيديا في مراكز إسرائيلية لتطوير الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الفائقة.
والخلاصة أن فكرة الاستعمار قد تطورت على مدى التاريخ، وأن التطور الكبير في مجال الخوارزميات والذكاء الصناعي أصبح يسمح بالتحكم في البيانات الضخمة والبنية التحتية التكنولوجية للدول المستهدفة، كما يتحكم في عقول الناس وتصوراتهم السياسية والاجتماعية، وحتى الدينية.
وبتعبير آخر، إنه يسمح بالاستعمار التقني: وهو تحديدا نوع الاستعمار الذي قد تسعى إسرائيل لتحقيقه في منطقتنا، ما سوف يدخل الصراع العربي الإسرائيلي إلى مرحلة جديدة أخطر من سابقتها.
فإسرائيل تدرك أن بقاءها كدولة استعمار استيطاني وفصل عنصري أمر غير ممكن في عالم اليوم، مهما توفر لها من دعم غربي، ومهما تسلحت بالسلاح النووي.
ولا شك عندي أن إسرائيل تبحث لنفسها عن "صيغة جديدة" ترسخ وجودها في المنطقة، وتزيد من نفوذها.
و"الاستعمار التقني أو السيبراني" أحد أهم الوسائل التي تمكنها من ذلك، لأنها وسيلة ناعمة وغير مباشرة: لا يشعر بها أحد، بل يعتقد كل فرد تحت سيطرتها أنه حر حرية كاملة!
وهنا أود أن أشير إلى رواية بعنوان "1984"، كتبها جورج أورويل George Orwell، وتم نشرها عام 1949، وهي رواية تصف دولة تسيطر عن طريق شاشات تراقب الناس فردا فردا، وتقوم بـ"تزييف" الوعي الجماعي، وتتحكم في عقول الناس وسلوكهم.
وقد كانت تلك الرواية من باب الخيال العلمي البعيد عندما نشرت، لكن عالمنا المعاصر لم يعد بعيدا عن خيال جورج أورويل.