الرأي

الرياض وأبوظبي.. حديث المصالح بلغة السياسة


في منطقة تتسارع فيها الأحداث، وتتداخل الحسابات العسكرية والسياسية، وتتعاظم فيها التحديات الإقليمية، تكتسب اللقاءات رفيعة المستوى بين قيادات الدول أهمية تتجاوز بروتوكولاتها المعتادة، إذ لا تقاس قيمتها بمكان انعقادها أو بصورة اجتماعها فحسب، بل بما تحمله من رسائل سياسية، وما تعكسه من وعي بطبيعة التحولات الجارية ومآلاتها المحتملة.

فالتواصل بين العواصم ليس مجرد إجراء دبلوماسي، بل أداة ضرورية لفهم المتغيرات، ومراجعة التقديرات، وتنسيق المواقف، وحماية المصالح في محيط مضطرب لا يمنح المترددين كثيرا من الوقت لاتخاذ القرار أو تصحيح المسار.

ومن هذا المنطلق، تأتي زيارة سمو وزير الدفاع إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، ولقاؤه بصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة،

وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الدولة، امتدادا لمسار التشاور والتواصل المستمر بين الرياض وأبوظبي، الذي تعززه اللقاءات المباشرة والزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين وكبار مسؤوليهما.

وقد سبقت هذه الزيارة زيارة سمو الشيخ منصور بن زايد إلى المملكة في أواخر سبتمبر الماضي، بما يعكس حرصا مشتركا على إبقاء قنوات التنسيق مفتوحة، وتأكيد أهمية الحوار المباشر في متابعة القضايا الثنائية والتطورات الإقليمية.

وتظل العلاقات السعودية الإماراتية ذات أهمية خاصة بحكم الجوار والروابط التاريخية وتشابك المصالح، فضلا عن مسؤولية البلدين تجاه أمن الخليج واستقرار المنطقة.

وتأتي هذه اللقاءات في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات متشابكة، من التوترات الأمريكية الإيرانية، وإرباك أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية للتجارة والطاقة، إضافة إلى تطورات الملف اليمني، والحرب في غزة، والأزمة السودانية، وما تفرضه الظروف مجتمعة من اعتبارات أمنية وسياسية تتجاوز حدودها المباشرة.

وفي مثل هذا المشهد، يصبح العقل الدبلوماسي، ودقة التقدير، وتبادل الرؤى، جزءا من أدوات حماية الأمن الوطني والخليجي، لا مجرد مظهر من مظاهر العلاقات بين الحلفاء والجيران.

فالسياسة لا تدار بتطابق المواقف في كل التفاصيل، وإنما بقدرة الدول على تحديد ما يجمعها من مصالح وأهداف، وفهم ما قد يتباين في تقديراتها، ومنع الاختلاف في الوسائل من الإضرار بالمصالح الكبرى.

ومن هنا، ينبغي قراءة الزيارة في إطارها المعلن، وهو التشاور حول العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.

أما ربطها بتفاصيل عسكرية محددة أو افتراض أنها جاءت استجابة لطلب بعينه، فيبقى استنتاجا يحتاج إلى معلومات موثوقة تتجاوز ما يمكن استخلاصه من الزيارة وحدها.

إن قيمة العلاقات بين الدول لا تظهر في لحظات التوافق فقط، بل في قدرتها على مواصلة الحوار حين تتعقد الظروف وتتباين التقديرات.

والرياض وأبوظبي، بما يجمعهما من مصالح ومسؤوليات مشتركة، تملكان من أسباب التقارب ما يجعل التشاور خيارا دائما لتعزيز الاستقرار وصون أمن الخليج والتعامل مع تحولات المنطقة بوعي يوازن بين ضرورات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

فحين تشتد الأزمات، تبقى الحكمة السياسية والحوار المباشر من أهم أدوات حماية المصالح وترسيخ الاستقرار.

shaheralnahari@