حكاية وراء كل باب
الاثنين، ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
البيوت من زمان، فيها ما فيها... هموم وأحزان، وفرح وجنان. وراء جدرانها وأبوابها المغلقة حكايات لا يعرفها المارة، ولا يسمعها الجيران.
في كل بيت دموع، بعضها من فرط الفرح، وبعضها من شدة الوجع. ضحكات تخفي انكساراً، وصمت يخبئ ألف حكاية، وقلوب تتظاهر بالقوة، بينما هي في أشد الحاجة إلى من يربت عليها ويسألها: مالك؟
خلف الأبواب خذلان أحباب، وألم شوق وحنين، وأمنيات تأجلت، وآمال تنتظر فتحة شباك يدخل منها الضوء. هناك من ينام وفي صدره كلام لم يقله، ومن ينتظر غائباً طال غيابه، ومن يطوي وجعه كل مساء حتى لا يراه أحد، ومن يبتسم في وجوه الناس، ثم يعود إلى وحدته ليبكي.
وهناك سيدة تنتظر رجلها، تترقب وقع خطواته، وتعد الساعات حتى يعود، فتطمئن أن في البيت قلباً يشاركها الحياة، وكتفاً تسند عليه تعب الأيام. وأخرى تنتظر أن يكون لها رجل، رجل لا تقيسه بملامح وجهه ولا بما يملك، بل بما يمنحها من أمان، وما يزرعه في قلبها من طمأنينة، وما يجعلها تشعر معه أنها ليست وحدها في هذه الدنيا.
وثالثة خاب رجالها ورجاؤها، انفضت من حولها الوعود، وسقطت من قلبها أسماء كانت تظنها سنداً، لكنها لم تفقد قدرتها على الانتظار. تنتظر العوض، لا بالضرورة رجلاً آخر، بل حياة تنصفها، وقلباً لا يخذلها، وأياماً تعيد إليها شيئاً مما أخذته منها السنوات.
كم من امرأة أغلقت باب غرفتها، لا لتنام، بل لتبكي بعيداً عن عيون أبنائها، ثم مسحت دموعها وخرجت تسألهم عما يريدون للعشاء! وكم من أم أخفت وجعها كي لا تثقل على أولادها، وكم من ابنة ضمت وسادتها ليلاً، تتمنى حضناً يطمئنها بأن كل شيء سيكون بخير!
وكم من رجل يعود إلى بيته مثقلاً بما لم يستطع قوله، يجلس بين أهله، يضحك لضحكاتهم، ويسأل عن أحوالهم، ثم يختلي بنفسه، فيكتشف أن أكثر ما يحتاج إليه هو أن يسأله أحدهم: وأنت، كيف حالك حقاً؟
في البيوت أوجاع لا تحتاج إلى حلول بقدر ما تحتاج إلى حنان، وقلوب لا تطلب المستحيل، بل لمسة يد، وكلمة طيبة، واهتماماً لا تضطر إلى استجدائه. فليس كل من يصمت راضياً، ولا كل من يبتسم سعيداً، ولا كل من يقول «أنا بخير» يجد في نفسه القدرة على شرح ما به.
فمن يسمع آهات ليلهم؟ ومن يصغي إلى أنين قلوبهم حين ينام الجميع؟
من يسمع تلك التي تتقلب في فراشها، لا يؤرقها السهر بقدر ما يؤرقها الغياب؟ ومن يربت على قلب رجل أنهكته الحياة، ولم يجد من يسمح له بأن يكون ضعيفاً لبعض الوقت؟ ومن يقول لمن خذلته الأيام إن ما فاته ليس نهاية العمر، وإن في الدنيا أبواباً قد تفتح حين نظن أن الطريق انتهى؟
ومع ذلك، يبتسمون.
يبتسمون في الصباح، يفتحون الأبواب، يعدون الطعام، يذهبون إلى أعمالهم، يطمئنون على الآخرين، ويؤدون واجباتهم كأن الليل لم يأخذ منهم شيئاً. يوزعون الحب وهم في حاجة إليه، ويمنحون الطمأنينة وهم يبحثون عمن يطمئنهم، ويواسون غيرهم بكلمات يتمنون لو سمعوها هم.
ليس لأنهم لا يتألمون، بل لأن الحياة لا تنتظر حتى تلتئم جراحنا. ولأن في قلوب كثيرة بقية من حب، وفي أرواح كثيرة قدرة على العطاء، حتى حين تكون في أمس الحاجة إلى من يعطيها.
نمر أمام البيوت كل يوم، نرى النوافذ والشرفات والأبواب، ولا نعرف ما وراءها. قد يكون خلف نافذة فرح صغير يستحق الاحتفال، وخلف أخرى أم تنتظر عودة ابنها، وخلف ثالثة امرأة تتمنى أن تجد من يشاركها فنجان قهوة وحديثاً لا تضطر في نهايته إلى مسح دموعها.
وربما كان في البيت المجاور إنسان لا يحتاج منك إلا أن تسأل عنه، أن تتذكره، أن تمنحه شعوراً بأنه ليس منسياً، وأن وجوده في هذه الحياة يعني شيئاً لأحد.
فليست كل الأوجاع بحاجة إلى طبيب، وليست كل الأحزان بحاجة إلى نصيحة. بعضها يحتاج إلى قلب يتسع، وأذن تسمع دون أن تحاكم، ويد تمتد دون أن تنتظر مقابلاً.
البيوت ليست جدراناً وأثاثاً وأبواباً مغلقة؛ البيوت قلوب تسكنها حكايات، وأرواح تتعلق بالأمل، وأناس ينتظرون من الحياة أن تكون أحن عليهم قليلاً.
فرفقاً بمن حولنا، رفقاً بمن يبتسمون كثيراً، بمن يسألون عن الجميع ولا يسأل عنهم أحد، بمن يخفون دموعهم كي لا يقلق الآخرون، وبمن ينتظرون عوضاً لا يعرفون متى يأتي.
فربما كانت كلمة حب منك هي النافذة التي انتظرها قلب طويلاً، وربما كانت لمسة حنان هي كل ما يحتاجه إنسان كي يواصل يومه، وربما كنت أنت، دون أن تدري، الإجابة التي انتظرها دعاء صامت في جوف الليل.
حكاية وراء كل باب... وفي كل حكاية قلب يتألم، وقلب ينتظر، وقلب لا يزال، رغم كل شيء، قادراً على الحب والابتسام.
قلم يسكنه السؤال؟
في كل بيت دموع، بعضها من فرط الفرح، وبعضها من شدة الوجع. ضحكات تخفي انكساراً، وصمت يخبئ ألف حكاية، وقلوب تتظاهر بالقوة، بينما هي في أشد الحاجة إلى من يربت عليها ويسألها: مالك؟
خلف الأبواب خذلان أحباب، وألم شوق وحنين، وأمنيات تأجلت، وآمال تنتظر فتحة شباك يدخل منها الضوء. هناك من ينام وفي صدره كلام لم يقله، ومن ينتظر غائباً طال غيابه، ومن يطوي وجعه كل مساء حتى لا يراه أحد، ومن يبتسم في وجوه الناس، ثم يعود إلى وحدته ليبكي.
وهناك سيدة تنتظر رجلها، تترقب وقع خطواته، وتعد الساعات حتى يعود، فتطمئن أن في البيت قلباً يشاركها الحياة، وكتفاً تسند عليه تعب الأيام. وأخرى تنتظر أن يكون لها رجل، رجل لا تقيسه بملامح وجهه ولا بما يملك، بل بما يمنحها من أمان، وما يزرعه في قلبها من طمأنينة، وما يجعلها تشعر معه أنها ليست وحدها في هذه الدنيا.
وثالثة خاب رجالها ورجاؤها، انفضت من حولها الوعود، وسقطت من قلبها أسماء كانت تظنها سنداً، لكنها لم تفقد قدرتها على الانتظار. تنتظر العوض، لا بالضرورة رجلاً آخر، بل حياة تنصفها، وقلباً لا يخذلها، وأياماً تعيد إليها شيئاً مما أخذته منها السنوات.
كم من امرأة أغلقت باب غرفتها، لا لتنام، بل لتبكي بعيداً عن عيون أبنائها، ثم مسحت دموعها وخرجت تسألهم عما يريدون للعشاء! وكم من أم أخفت وجعها كي لا تثقل على أولادها، وكم من ابنة ضمت وسادتها ليلاً، تتمنى حضناً يطمئنها بأن كل شيء سيكون بخير!
وكم من رجل يعود إلى بيته مثقلاً بما لم يستطع قوله، يجلس بين أهله، يضحك لضحكاتهم، ويسأل عن أحوالهم، ثم يختلي بنفسه، فيكتشف أن أكثر ما يحتاج إليه هو أن يسأله أحدهم: وأنت، كيف حالك حقاً؟
في البيوت أوجاع لا تحتاج إلى حلول بقدر ما تحتاج إلى حنان، وقلوب لا تطلب المستحيل، بل لمسة يد، وكلمة طيبة، واهتماماً لا تضطر إلى استجدائه. فليس كل من يصمت راضياً، ولا كل من يبتسم سعيداً، ولا كل من يقول «أنا بخير» يجد في نفسه القدرة على شرح ما به.
فمن يسمع آهات ليلهم؟ ومن يصغي إلى أنين قلوبهم حين ينام الجميع؟
من يسمع تلك التي تتقلب في فراشها، لا يؤرقها السهر بقدر ما يؤرقها الغياب؟ ومن يربت على قلب رجل أنهكته الحياة، ولم يجد من يسمح له بأن يكون ضعيفاً لبعض الوقت؟ ومن يقول لمن خذلته الأيام إن ما فاته ليس نهاية العمر، وإن في الدنيا أبواباً قد تفتح حين نظن أن الطريق انتهى؟
ومع ذلك، يبتسمون.
يبتسمون في الصباح، يفتحون الأبواب، يعدون الطعام، يذهبون إلى أعمالهم، يطمئنون على الآخرين، ويؤدون واجباتهم كأن الليل لم يأخذ منهم شيئاً. يوزعون الحب وهم في حاجة إليه، ويمنحون الطمأنينة وهم يبحثون عمن يطمئنهم، ويواسون غيرهم بكلمات يتمنون لو سمعوها هم.
ليس لأنهم لا يتألمون، بل لأن الحياة لا تنتظر حتى تلتئم جراحنا. ولأن في قلوب كثيرة بقية من حب، وفي أرواح كثيرة قدرة على العطاء، حتى حين تكون في أمس الحاجة إلى من يعطيها.
نمر أمام البيوت كل يوم، نرى النوافذ والشرفات والأبواب، ولا نعرف ما وراءها. قد يكون خلف نافذة فرح صغير يستحق الاحتفال، وخلف أخرى أم تنتظر عودة ابنها، وخلف ثالثة امرأة تتمنى أن تجد من يشاركها فنجان قهوة وحديثاً لا تضطر في نهايته إلى مسح دموعها.
وربما كان في البيت المجاور إنسان لا يحتاج منك إلا أن تسأل عنه، أن تتذكره، أن تمنحه شعوراً بأنه ليس منسياً، وأن وجوده في هذه الحياة يعني شيئاً لأحد.
فليست كل الأوجاع بحاجة إلى طبيب، وليست كل الأحزان بحاجة إلى نصيحة. بعضها يحتاج إلى قلب يتسع، وأذن تسمع دون أن تحاكم، ويد تمتد دون أن تنتظر مقابلاً.
البيوت ليست جدراناً وأثاثاً وأبواباً مغلقة؛ البيوت قلوب تسكنها حكايات، وأرواح تتعلق بالأمل، وأناس ينتظرون من الحياة أن تكون أحن عليهم قليلاً.
فرفقاً بمن حولنا، رفقاً بمن يبتسمون كثيراً، بمن يسألون عن الجميع ولا يسأل عنهم أحد، بمن يخفون دموعهم كي لا يقلق الآخرون، وبمن ينتظرون عوضاً لا يعرفون متى يأتي.
فربما كانت كلمة حب منك هي النافذة التي انتظرها قلب طويلاً، وربما كانت لمسة حنان هي كل ما يحتاجه إنسان كي يواصل يومه، وربما كنت أنت، دون أن تدري، الإجابة التي انتظرها دعاء صامت في جوف الليل.
حكاية وراء كل باب... وفي كل حكاية قلب يتألم، وقلب ينتظر، وقلب لا يزال، رغم كل شيء، قادراً على الحب والابتسام.
قلم يسكنه السؤال؟