الرأي

كيف يدار الإعلام العسكري في الأزمات؟ درس «المالكي»


حين عينت قيادة التحالف متحدثها الرسمي، لم تكتف بإعلان اسمه، بل أعلنت معه منهجا يقوم على الشفافية والانفتاح، عبر مؤتمرات صحفية منتظمة، وحضور دائم للمتحدث أمام وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية، وقد جاء الأداء مصدقا لهذا الإعلان؛ إذ اقترن المنبر الصحفي بحضور رقمي سريع وفعال عبر الحساب الرسمي للمتحدث، مبينا أن كفاءة الاتصال المؤسسي في الأزمات لا تقاس بغزارة البيانات، بل بحسن اختيار التوقيت واستباق الأسئلة المتوقعة؛ وهو درس مهني في العمل الإعلامي العسكري الذي يعد ركيزة من ركائز الأمن الوطني، ويتجلى هذا الدرس في جوهر الاتصال أثناء الأزمات، وهو (التوقيت)؛ فالغاية منه سد الفراغ المعلوماتي حتى لا يترك المجال للمتربصين، فإما أن تملأه الجهة المعنية أو تملأه الشائعات، وفي حادثة مطار الملك خالد الدولي، قدم المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، نموذجا يستحق القراءة المهنية، مع خالص العزاء لأسر الضحايا والدعاء بالشفاء للمصابين إثر الاعتداء الإرهابي من الميليشيا الحوثية.

وتكشف قراءة هذا المشهد عبر المؤتمر الصحفي والحساب الرسمي للمتحدث عن بنية اتصالية ثابتة، تخلو من تشتت الهوية أو التوجه؛ إذ يلحظ الإعلامي أن الخبر العملياتي يبدأ بكلمة «التحالف:» وهي ما يسميه المحررون «خانة الإسناد»، يتبعها حدث محدد في مكان محدد، بصياغة وصفية مجردة، مثل: «اعتراض وتدمير طائرة مسيرة أطلقت باتجاه المنطقة الشرقية»، وهي صياغة تختلف عن البيانات التقليدية التي قد تستخدم لغة تقييمية (كقولنا: اعتداء إرهابي جبان)، فالحرص على الالتزام بالسجل الوصفي يميز الخبر العملياتي ويحفظ اللغة التقييمية لمواضعها، وقد فسر العالمان ألبورت وبوستمان (1947) انتشار الشائعة بقاعدة بسيطة: أنها تنتشر حين يكون الموضوع مهما والغموض يكتنف تفاصيله، فكلما كانت المعلومة واضحة ومحددة، ضاقت المساحة التي تنمو فيها الشائعة، وهذا ما بادرت به قوات التحالف.

حين تصل المعلومة الدقيقة من مصدرها الموثوق، يطمئن الداخل وتتضح الصورة للخارج؛ إذ تكتمل أركان الخبر الأربعة: السبق في الإعلان، والدليل البصري المرافق للرواية، والإطار القانوني الثابت، ومرجعية الصوت الواحد.

واليوم، يعيد اللواء المالكي تعريف دور المتحدث العسكري في الأزمات الإعلامية؛ موازنا بين الإفصاح الذي يبني الثقة وصون ما يمس العمليات، ليؤكد هذا الأداء نضجا إعلاميا سعوديا بمستوى دولي، يدعم مبادرة واثقة تجمع بين الصحافة الرصينة، وصناعة المحتوى، والجمهور المهتم.

moha_alm@