الرأي

في يوم المدير العالمي.. من يصنع القادة في حياتنا؟ حكاية أستاذ ترك أثرا لا يمحى


هل يمكن أن يختصر موقف واحد فلسفة أستاذ، وأن تظل كلمة قالها منذ سنوات حاضرة في الذاكرة، كلما واجهتنا الحياة بتحد جديد؟ وهل يقاس المدير بما يحققه من إنجازات إدارية فحسب، أم بما يتركه في نفوس طلابه وتلاميذه من ثقة، وفي عقولهم من معرفة، وفي مسيرتهم من أثر ممتد لا تمحوه الأيام؟

في يوم المدير العالمي، لا أجد أصدق من استعادة تجربة إنسانية وعلمية كان لها بالغ الأثر في تشكيل جزء مهم من مسيرتي؛ تجربة ارتبطت بالأستاذ الدكتور عبدالله محمد الغذامي، الأديب والناقد المعروف، وأستاذي الذي تعلمت منه أن القيادة الحقيقية ليست منصبا يشغل، وإنما رسالة تؤدى وأثر يبقى.

في بدايات مسيرتي العلمية والعملية، كان لي شرف العمل في مكتب رئيس قسم الإعلام بجامعة الملك عبدالعزيز، الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي. وهناك لم تكن التجربة مرحلة وظيفية أو محطة عابرة في مشوار أكاديمي فحسب، بل كانت مدرسة إنسانية وعلمية تعلمت فيها الكثير؛ عن البحث العلمي، والتدريس، والانضباط، والإصرار، وكيف يمكن للأستاذ أن يكون داعما حقيقيا لطلابه، لا يكتفي بتوجيههم، بل يفتح أمامهم أبواب الأمل والنجاح.

فمن هو الأستاذ الحقيقي؟ أهو الذي يلقن طلابه المعرفة، أم الذي يوقظ فيهم شغف البحث والسؤال، ويمنحهم الثقة في قدراتهم، ويأخذ بأيديهم حين تتعثر خطواتهم؟

لقد كان أستاذي الفاضل من خيرة الأساتذة في التوجيه والإرشاد، وكانت له أياد بيضاء على مسيرتي العلمية. لم يكن اهتمامه بي مقتصرا على حدود العمل، بل امتد إلى المتابعة والسؤال، وتذليل الصعوبات والعقبات التي قد تواجه الطالب في رحلته العلمية. وكان إيمانه بالبحث العلمي واضحا في ممارساته، وفي حرصه على الإنتاج المعرفي، وتشجيعه المشاركة في المؤتمرات العلمية والتأليف والنشر.

إن مما ميزه أيضا اهتمامه المبكر بالحصول على درجة الأستاذية، وسعيه إليها دون تأخير، في وقت كان فيه سباقا بين زملائه إلى إدراك أهمية التقدم العلمي المستمر. لقد أدرك أن المكانة الأكاديمية ليست نهاية الطريق، بل بداية لمسؤولية أكبر تجاه العلم والطلاب والمجتمع.

من المواقف التي أعتز بها في مسيرتي، أن أستاذي تفضل بكتابة مقدمة أحد مؤلفاتي، كتاب (الكتابة الإعلامية). وما زلت أذكر ما شعرت به يومها من فخر واعتزاز؛ فحين يضع أستاذ نعتز بعلمه وخبرته اسمه وكلمته في مقدمة مؤلفك، فإن الأمر يتجاوز مجرد التقديم لكتاب، ليصبح شهادة ثقة ودعم، ورسالة صامتة تقول لك: واصل الطريق، فما زال أمامك الكثير لتنجزه.

لكن هل نتعلم القيادة من الكتب وحدها، أم أن بعض دروسها الكبرى تأتي في لحظة مفاجئة لم نكن قد استعددنا لها؟
أذكر موقفا لن أنساه. فقد جئت إلى أستاذي غاضبا من موقف تعرضت له في إحدى المناسبات الجامعية؛ إذ طلب مني إلقاء كلمة أمام الحضور دون إخطار مسبق أو فرصة للتحضير، وجدت نفسي أمام اختبار مفاجئ، فاستجمعت أفكاري وألقيت الكلمة ارتجالا، والحمد لله لاقت استحسان الحضور.

فذهبت الي أستاذي أحكي له ما حدث، فنظر إلي بتفاؤل وثقة، وقال لي ما معناه أن نجاحي في تجاوز هذا الموقف دليل على أنني سأستطيع مستقبلا مواجهة مواقف أصعب، وأنه على يقين بأنني سأتمكن من تخطي الصعاب والتعامل مع التحديات.

قد تبدو هذه الكلمات عابرة لمن يسمعها، لكنها كانت لشخصي درسا في القيادة والتربية وبناء الشخصية.
فقد أدركت حينها معنى بالغ الأهمية، هو أن القائد الحقيقي لا يكتفي بمساندتك حين تتعثر، بل يساعدك على اكتشاف قوتك حين لا تكون أنت نفسك قد أدركتها بعد.

كم من إنسان كان يحتاج إلى كلمة ثقة واحدة، لتغير نظرته إلى نفسه! وكم من موهبة ظلت حبيسة التردد، لأنها لم تجد من يمنحها فرصة أو يقول لصاحبها: أنت تستطيع!
إن الإدارة ليست قرارات، ولوائح، ومكاتب، ومناصب فقط؛ إنها قبل كل شيء، قدرة على احتواء الإنسان، وفهم احتياجاته، وتوجيه طاقاته، وبناء ثقته بنفسه. فالمدير الناجح قد يترك وراءه نظاما إداريا متطورا، أما المدير الملهم فيترك وراءه أجيالا قادرة على القيادة والإبداع وصناعة التغيير.

وفي (يوم المدير العالمي)، ربما يكون من المهم أن نسأل أنفسنا: كم مديرا نذكره لأننا عملنا معه، وكم مديرا نتذكره لأنه غير شيئا في داخلنا؟ وكم أستاذا انتهى دوره بانتهاء المحاضرة؟ وكم أستاذا ظل صوته حاضرا في قراراتنا، وكلماته نبراسا نستضيء به في المواقف الصعبة؟

إن قيمة الأستاذ الدكتور عبدالله محمد الغذامي في تجربتي لا تكمن فقط في مكانته العلمية والأدبية، ولا في دوره الأكاديمي، وإنما في ذلك المزيج الإنساني الذي جمع بين العلم والتوجيه والثقة والاهتمام. لقد كان نموذجا للأستاذ الذي يؤمن بأن نجاح طلابه امتداد لرسالته، وأن الاستثمار الحقيقي ليس في المناصب، بل في العقول والإنسان.

واليوم، كلما واجهت موقفا صعبا، أو وجدت نفسي أمام مسؤولية تتطلب سرعة التصرف وحسن التقدير، أتذكر ذلك الموقف، وتلك الكلمات. فأدرك أن بعض الدروس لا تنتهي بانتهاء سنوات الدراسة أو العمل، وأن أجمل ما يمنحنا إياه أساتذتنا هو ما يظل حيا فينا بعد أن تفصلنا عنهم المسافات والسنوات.

أستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور عبدالله محمد الغذامي، شكرا لأنك لم تكن أستاذا لي في مرحلة من مراحل حياتي فحسب، بل كنت أحد الذين أسهموا في تشكيل رؤيتي للعلم والعمل والحياة. شكرا لمتابعتك، واهتمامك، وتشجيعك، وثقتك التي منحتني دافعا للاستمرار والبحث، والتأليف، والمشاركة في المؤتمرات العلمية.