الرأي

السعودية.. ترياق الأمة



التاريخ لا يكذب، لا يجامل ولا يحابي أحدا، ملكا كان أو رئيسا؛ أو وزيرا أو غفيرا. صفحاته وروايته لا ترحم، تضع كلا في مكانه الذي يستحقه، أو على الأقل الذي تسببت به يداه. حبر الورق ملعون، ربما مسموم.

حينما غدر صدام حسين في مطلع التسعينيات الميلادية الماضية بجاره الكويتي وحاول التهام الدولة، قيل عنه طاغية. التاريخ قال عنه كذلك. مع مضي الوقت، ذهب الرجل ضحية عجرفته وأطماعه. دفع ولا يزال العراقيون الثمن. والعراق دولة تعوم على بحر من النفط والذهب الأسود.

حاول معمر القذافي السير على نهج صدام بفكرة العنفوان، والزعامة المطلقة، رغم أنه حاربه بدعمه للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالسلاح والعتاد إبان الحرب العراقية الإيرانية. إلا أنه كان يقدس جمال عبدالناصر ويضعه نبراسا له باستخدام العروبة والعناوين الرنانة التي كان عبدالناصر يشحن عبرها الشارع العربي.

صحيح أن الرجلين اختلفا بناء على قبول ما سمي «مبادرة روجرز»؛ وليام روجرز وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية عام 1970، التي تقتضي السلام بين مصر وإسرائيل، إلا أنهما لم يصلا للعداء أو القطيعة.

وعلى ذكر جمال عبدالناصر، فذا قصته مختلفة. لم يخف العداء للسعودية ولجميع الأنظمة الملكية، على حساب القومية العربية والاشتراكية والوحدة. بنهاية الأمر فشل بتحقيق مبدأ الوحدة مع سوريا. سقطت مفاهيم وحدته التي زعم مع دولة واحدة، فكيف لو اقتنع بها جميع العرب؟

اقتدى علي عبدالله صالح أيضا بالحاكم المطلق في بلاد الرافدين. وقف بجانبه في غزو الكويت وأيده وضرب بالعقلانية العربية عرض الحائط. بعد ذلك، اقتات على السعودية، ثم خدعها وقدم الرعاية المطلقة لـ«تنظيم القاعدة»، التي حولت اليمن إلى مقر لتنفيذ مخططات الإرهاب تجاه المملكة في حقبة تاريخية معينة.

دخل 6 حروب مع جماعة الحوثي الإرهابية، وسلمها لاحقا الدولة بمؤسساتها وشعبها بوقت ما، انتقاما من الرياض وبقية دول الخليج، التي مررت المبادرة الخليجية ونصت أحد بنود آليتها على تنحيه عن الحكم تدريجيا.

بالمناسبة، أذكر بإحدى زياراتي خلال عهده - أقصد عهد صالح - أسر لي أحد المسؤولين اليمنيين المعتبرين ما لم أفهمه واستوعبه إلا مؤخرا.

ألمح لي الرجل أنه خلال بعض الحروب مع جماعة الحوثي التي خاضتها الدولة، هناك ما أثار ريبته، وهو أن التموين الغذائي الذي كان يقدم للقوات المسلحة التابعة للدولة، ذاته كانت تحصل عليه جحافل المرتزق الحوثي. وهذا يكشف بأن الممول واحد. بمعنى أن الأمر يشي باتفاق معين بين دولة صالح والميليشيات. السؤال المنطقي: ما الهدف من ذلك؟

أعتقد أن صالح افتعل حروبا مع الميليشيات، لكنه قدم رعاية لها لابتزاز المملكة، وخلق تصورا عاما من جانب بأن طرفا متطرفا نشأ في خاصرتها الجنوبية، ومن جانب آخر بأنه الوحيد القادر على ضبط المشهد. وبرابط التسلسل التاريخي اتضحت حقيقة الصورة.

لماذا استدعاء ذلك؟ لعدة أسباب. أولا: لإيضاح أن من سبق ذكرهم حاولوا معاداة المملكة. وقد ذهبوا وبقيت. ثانيا: أن الروايات التي تسوقها جماعات إرهابية حاليا، في المنطقة؛ كالحوثي المارق في اليمن، والمتطرفين في العراق ولبنان، هي الحجج ذاتها التي حاول أولئك إيهام المغفلين والبسطاء من العرب بها، وجلها بني على نبذ السعودية بالدرجة الأولى. المحصلة تبخرت صفاقاتهم وحماقاتهم، وذهبوا معها لمزبلة التاريخ، وبقيت المملكة.

على كل حال أستطيع القول: لن ينقص من قيمة هذه البلاد الصبر على مواجهة حفنة من الجبناء إن حان الوقت المناسب. ولن يرفع من شأنها تقليم أظافرهم.

وحديث متحدث تحالف دعم الشرعية باليمن اللواء تركي المالكي الملفت للانتباه الخميس الماضي، أتصور أنه يأتي في هذا السياق. احتوى رسالة أكبر من تحذير. قال «على جماعة الحوثي إيقاف الهجمات ضد السعودية. عليها قراءة ما بين السطور جيدا»؛ وإنها - أي الميليشيات - تلقت دعما من دول إقليمية لم يسمها. وهذا يؤكد أن كل شيء مكشوف.

ما تفسير ذلك؟ أن التحالف يملك القدرة على تغيير طبيعة وأشكال الرد. أي أن القدرات لا تقتصر فقط على الدفاع الجوي. الأهم: تحميل الحوثي ومموليه مسؤولية الاختيار، التصعيد أو التهدئة. الأكثر أهمية: أن السعودية ليست مجالا مفتوحا لرفع سقف الاعتداءات. فالحكمة والصبر الاستراتيجي ليسا جبنا أو ترددا.

إن استمرار مهاجمة الميليشيات الإرهابية للمواقع المقدسة والحيوية المدنية في المملكة، عند نقطة معينة سيقود لتغيير الحسابات السياسية والعسكرية، حينها سيجد الحوثي المارق ومن يقف خلفه أنفسهم في مأزق أمام قوة لا ترحم، ستحرق الحرث والنسل، ليس من باب الهجوم أو البحث عن الحروب، بقدر ما هو تعبير عن نفاد الصبر والفرص. وقتها سيذهب الرفاق إلى الجحيم.

يؤمن السعوديون بعظمة بلادهم. ارتضوا بذلك لأنهم يدركون قيمة ثقلها الاستراتيجي عالميا، ومسؤوليتها الدينية والسياسية والأخلاقية في منطقة ملتهبة منذ الأزل ليس من الأمس واليوم.

سأنتهي عند القول: تواجه السعودية الأعداء نيابة عن الجميع. بينما يحاربها البعض نيابة عن الأعداء. هذا قدر ترياق الأمة.