الرأي

التواصل يحفظ التآلف



لعل من أجمل ما في لحظات هذه الدنيا أن تجد صالحا صادقا مخلصا حكيما، تتجاذب معه أطراف الحديث في مواضيع شتى، فتنفتح القلوب وتتقارب العقول، وحين يكون للوطن نصيب من هذا الحديث تتسع المعاني لتشمل نعم الله، جل وعلا، على أهل هذا الوطن، والمسؤولية المشتركة عن صون ما يجمع الناس ولا يفرقهم؛ فمحبة الوطن، على رسوخها في القلوب، تحتاج دائما إلى ما يترجمها، وخصوصا فيما يتعلق باستيعاب بعضنا بعضا.

بلادنا المباركة، المملكة العربية السعودية، بلد تجمعه عقيدة واحدة، وأرضه ممتدة على مساحة شاسعة، ويتمتع ولله الحمد والمنة باقتصاد قوي، وقيادة تحرص على اجتماع الكلمة ووحدة الصف؛ وهذه نعم عظيمة تستحق الشكر للمنعم سبحانه وتعالى، وتستدعي إدراك مسؤولية المحافظة عليها؛ فما ننعم به من أمن واستقرار، وما نشهده من بناء وتقدم، ينبغي أن يصاحبه حرص مستمر على تماسك المجتمع، وحسن الصلة بين أبنائه، والوعي بما يقوي هذا التماسك أو يضعفه.

وطن كوطننا بهذه المكانة وهذه المقومات تتجه إليه الأنظار، وتتفاوت تجاهه المقاصد؛ فالنعم كما تستدعي الإعجاب، قد تستثير الحسد؛ ومن الحكمة أن يكون وعينا بذلك باعثا على مزيد من العمل والتآلف، وأن نحرص في أحاديثنا ومجالسنا وكتاباتنا على ما يخدم وطننا، ويعيننا على فهم شؤونه، وعلى ما يجمع القلوب عليه؛ فالكلمة أمانة ومسؤولية، وأثرها قد يتجاوز مراد صاحبها، خصوصا حين تصدر ممن يستمع الناس إليهم ويثقون برأيهم.

إن من أهم ما يحفظ التآلف المنشود هو التواصل؛ بين مختلف أطياف المجتمع ومكوناته، من العلماء وأهل المناصب والمراتب والمثقفين والمفكرين والمتخصصين ومختلف أصحاب الخبرات؛ فالناس بحاجة إلى تواصل أوسع وأكثر انتظاما، يتيح اللقاء والاستماع وتبادل الرأي؛ ولا شك أن الناس يجمعهم صدق المقصد والرغبة في خدمة وطنهم، ولا يصح أن تبقى بينهم مسافات بسبب انشغالات ما، أو تصورات قديمة، أو قولبات ذهنية وهمية، ودون التواصل، ستبقى أسئلة كان يمكن أن يجيب عنها لقاء، ومخاوف كان يمكن أن يبددها حديث مباشر، والتواصل يوضح تطلعات بعضنا، وبه حتما سنجد مساحة للفهم قبل الحكم؛ فكم من فجوة أذابها حوار، وكم من تصور تغير بعد استماع هادئ، وهو ما يؤكد ضرورة مراجعة أحكامنا على الناس، والتحرر من أن نكون أسرى مسائل عفا عليها الزمن، بل ربما تجاوزها أو تنازل عنها أصحابها، بعدما ازدادوا حكمة وخبرة، وأيقنوا أن استشعار المسؤوليات الوطنية الحقيقية يقتضي طي صفحات الماضي، إن كان فيه ما يعكر الحاضر، أو يشوش على المستقبل.

أختم بأن التآلف بين أبناء الوطن أمر مأمول ومطلوب وحتمي، ولا يقتضي تطابق الآراء في كل مسألة؛ فالاجتهادات تتفاوت، والخبرات تتنوع، وقد يرى أحدنا جانبا خفي على غيره، والمهم أن يبقى بيننا من الثقة وحسن الظن ما يسمح بمناقشة هذا التفاوت، وأن يظل الحرص على مصلحة الوطن حاضرا في طريقة التعبير عن الرأي، كما هو حاضر في مضمونه، وأن نحرص على أن يبقى للحديث الصادق أثر باق، وللتواصل قيمة نافعة، نفهم من خلال ذلك أن تمام شكر الله، سبحانه وتعالى، على نعمة الوطن أن نمنح الاستماع من عنايتنا مثل ما نمنح الكلام؛ فالتآلف الذي نعتز به تقويه قلوب متحابة، وعقول متفاهمة، وأبواب مفتوحة للتواصل. حفظ الله بلادنا، وأدام عليها أمنها واستقرارها، ووفق قيادتنا لكل خير، وأعانها على ما تحمله من أمانة، وجمع قلوبنا على المحبة والوفاء، وإدراك أن أبناء الوطن هم خط الدفاع الأول عنه.