حمارة القايلة.. التراث كممارسة اجتماعية
السبت، ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦في الثقافة الشعبية كانت حكاية «حمارة القايلة» تروى للأطفال باعتبارها أسطورة لها رسالة ذات قيمة رمزية مفادها أن خروج الأطفال من المنزل أوقات الظهيرة له عواقب وخيمة. كانت الأمهات والجدات يستخدمن هذه الحكايات ليس بغرض تخويف الأطفال ولكن للتحذير من المخاطر الصحية للجفاف الناتج من التعرض لأشعة الشمس الحارقة. إن الحكايات الشعبية جزء أصيل من تراث المدن؛ لأنها تكشف لنا كيف كان المجتمع يتعامل مع العمران وينظم حياته في المدينة.
وعندما نعيد تفكيك حكاية حمارة القايلة نجد أن لها دلالات عميقة؛ فالحكاية تؤكد على دور الممارسة الاجتماعية في إدارة الفضاء العمراني وفقا للظروف المكانية والزمانية. ففي البيئات الصحراوية الحارة كان لزاما على الأهالي استخدام حملات توعوية ذاتيه لضمان بقاء الأطفال داخل المنازل، ولم تكن هناك وسيلة مؤثرة أفضل من السرد الشعبي. لقد كانت حمارة القايلة بمثابة نظام اجتماعي لإدارة المكان بما في ذلك الشوارع العامة، والساحات، وأماكن اللعب. ليس هناك حاجة إلى وضع لافتات إرشادية أو القيام بحملات توعوية عبر وسائل الإعلام، فالقصة الشعبية قامت بدورها على أكمل وجه. وعلاوة على ذلك، كشفت لنا حكاية حمارة القايلة دور التراث غير المادي في السلوك الجمعي داخل المدينة.
في الحقيقة، تتأثر المدينة أيا كانت بالعادات والتقاليد والموروث الشعبي الذي يتراكم زمنيا ليشكل سلوك المجتمع ويتحول فيما بعد إلى ثقافة محلية. لذلك، فإن الحفاظ على التراث العمراني لا يعني أن نحافظ على المباني التاريخية دون استيعاب تام للبعد الزمني الذي ساهم في تشكيل هذه الأنساق المادية. أشرت سابقا إلى أن التراث العمراني ليس مجرد إطار مادي؛ بل هو مجموعة من القيم، والعلاقات الاجتماعية، والعادات، والسلوكيات المتوارثة، والتي انطبعت في المكان عبر سلسلة من الأحداث الزمنية. وفق هذا المنطق، فإن الاهتمام بثقافة المدن لا يعني استحضار الأنماط المعمارية التقليدية وإدماجها عنوة في التصاميم المعمارية الحديثة؛ بل استلهام الثقافة المحلية بأبعادها كافة، وإعادة إحيائها في إطار معرفي يربط الماضي بالحاضر ويستشرف مستقبلا قائما على ثقافة راسخة.
الحفاظ العمراني يؤكد على إحياء القيم المادية وغير المادية، فلا جدوى من مكان تراثي تغيب عنه قيم الجوار، والتكافل الاجتماعي، والمحبة، والكرم، والثقة العربية.
إن حكاية حمارة القايلة تعني أن المجتمع المحلي كان لديه قدرة على التخطيط والتنبؤ بالمشكلة قبل أن يظهر التخطيط الحديث. لقد استخدم المجتمع أدوات بسيطة لتنظيم السلوك الإنساني، وإدارة المخاطر، والتكيف مع البيئة؛ كل ذلك استخدمه المجتمع في سردية بسيطة تحكى للأطفال. لقد نجح المجتمع في تحويل المعرفة البيئية إلى قصة وسلوك وعرف اجتماعي تحول فيما بعد إلى ثقافة، وهذا شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي. التخطيط العمراني اليوم يمكن أن يقوم بالأهداف نفسها من خلال تطوير التشريعات العمرانية التي تؤكد على استحضار القيم الثقافية في المدينة، بما في ذلك المسؤولية الاجتماعية، واحترام الجار، والتكافل الاجتماعي.
ختاما، علينا أن ندرك أن المدن ليست مجرد عناصر مادية تستنسخ الأشكال البصرية من التراث العمراني، فهذه هي القشور؛ ولكن تراث المدينة يعني إعادة قراءة الممارسات الاجتماعية وصياغتها بما يتناسب مع الحاضر والمستقبل.