الرأي

شموخ الوطن ومآلات المشروع الحوثي.. قراءة تاريخية

لا يمنحنا التاريخ حكماً قطعياً على المستقبل، لكنه يكشف أنماطاً متكررة في سلوك القوى ومآلات مشروعاتها، ويتيح فهم أسباب بقاء الدول وتعثر المعتدين عليها. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة شموخ المملكة العربية السعودية، واستحضار تجارب العدوان التي واجهتها، وتأمل ما تحمله من دروس للمشروع الحوثي الذي يراهن على السلاح والتوسع واستنزاف الجوار.

وشموخ الوطن ثمرة تاريخ من الصمود والتلاحم، وقدرة متجددة على تجاوز المحن واستعادة القوة. فالدولة السعودية، عبر مراحلها الممتدة نحو ثلاثة قرون، واجهت تحديات جسيمة، لكنها حافظت على جذور حضورها، ونهضت بعد عثراتها، حتى استقرت في دولة تجمع أبناءها على وحدة سياسية راسخة، وتملك أسباب حماية سيادتها ومقدساتها ومكتسباتها.

والشواهد التاريخية كثيرة، على سبيل المثال لا الحصر: انكسار القوات الغازية في وادي الصفراء عام 1812م، وهزيمة القوات المهاجمة في تربة عام 1919م، والاعتداءات التي تعرضت لها مناطق الجنوب من قوات نظام عبدالناصر في ستينيات القرن العشرين، الموافقة لثمانينيات القرن الرابع عشر الهجري. ثم جاءت حرب الوديعة عام 1969م، وانتهت بطرد القوات المعتدية، وأعقبها عدوان نظام صدام حسين إبان غزوه للكويت، واعتداؤه على الخفجي عام 1991م، الذي انتهى بتحريرها ودحر قواته على أيدي القوات السعودية والقوات المساندة.

ولا تعني هذه الشواهد أن مسيرة الدولة خلت من الخسائر والمحن؛ وإنما تدل على أن الاعتداء عليها لم يستطع إلغاء وجودها أو كسر إرادة أهلها. ذهب أولئك المعتدون، وبقيت السعودية شامخة بقادتها وشعبها ومقدساتها ومبادئها. ومن هنا تصبح قراءة التاريخ ضرورة لمن يتوهّم أن العدوان على هذه البلاد يضمن له مجداً أو بقاءً.

ولفهم الجذور الأقدم لمقاومة التوسع في جنوب الجزيرة العربية، أستدعي نصاً تاريخياً وصلني من أحد المهتمين، ويستحق إخضاعه للبحث العلمي والتوثيق، لما يتضمنه من معطيات عن أحداث القرن العاشر الهجري. وتضع الرواية أحداثها إبان إمامة شرف الدين وابنه المطهر، قبيل الغزو العثماني الأول لليمن عام 1538م، الموافق 944-945هـ، كما تورد زعامات قبلية واجتماعية لا يتسع المقام لذكرها وتفصيل أدوارها.

وتكشف الرواية محاولة توسيع نفوذ سلطة الإمامة بالقوة في سراة جنب التاريخية، التي كانت تُعرف بإمارة السراة، وتُعرف اليوم بمحافظة سراة عبيدة، إحدى محافظات منطقة عسير المعروفة تاريخياً بـ«السروات». وقد واجهت تلك المحاولة مقاومة شعبية من أبناء هذه الأرض، دفاعاً عن أرضهم واستقلالهم ومعيشتهم.

فالذين وصفهم كاتب السيرة بالمروق والعصيان والأشقياء كانوا، في هذه القراءة، وطنيين أحراراً أُباة، رفضوا سلطة الإمامة الزيدية ومشروعها التوسعي، وقاوموها بقوة السلاح، وألحقوا بجيشها الهزيمة. وما سماه «تأديباً» كان، بحسب روايته، حصاراً وتخريباً للعمران وقطعاً للغروس وموارد العيش. وهنا تظهر أهمية قراءة لغة المصدر إلى جانب أحداثه؛ إذ يمنح الكاتب فعل السلطة غطاءً دينياً، ويجرّد المقاومة من مشروعيتها، فيتحول الدفاع عن الأرض في عباراته إلى عصيان، والخراب إلى تأديب.

وتتضح جغرافيا المواجهة من المواضع التي يوردها النص في سراة جنب وما وراءها إلى بلاد وادعة؛ إذ يذكر درب الحنيش وجزعة ابن الحنيش، وحصارها واتخاذ غدير العروس موضعاً لمعسكر الجيش. ثم يروي تعرض مؤخرة الجيش الزيدي المنسحب، بعد فشله في تحقيق أهدافه من إخضاع أهل السراة، لهجوم سنحان في الحمرة، ووصول خبر ذلك إلى قيادته المندحرة عند القبضة من منازل وادعة. كما ورد ذكر وقشة والصقريين وغيرهم من أبناء السراة ومكوناتها التاريخية. وتمنح هذه الأسماء والمواضع الرواية بعداً اجتماعياً وجغرافياً، وتظهر امتداد المقاومة إلى مسار الجيش وانسحابه.

كما تكشف الرواية عن قوة الروابط القبلية في السروات التاريخية وما يتصل بها من تهامة ونجران، وعن تعاضدٍ بين سنحان وجنب من جهة، ويام من جهة أخرى، في مقاومة الجيش الزيدي الغازي ورفض الرضوخ لسلطته. وقد أدركت سلطة الإمامة خطورة هذا التعاضد، فطرح كاتب السيرة أفكاراً للتعامل معهم، تقوم على قطع المدد بين الأغوار والنجود، وتخريب الدروب، وارتهان الزعماء؛ بما يبرز أثر التواصل بين المناطق واتساع الروابط المحلية في استمرار المقاومة وصعوبة إخضاعها.

وتتداخل في هذه المواجهات عوامل المذهب والثأر والمعيشة والتنافس على النفوذ، فلا يصح اختزالها في عامل واحد. غير أن دلالتها السياسية الأبرز تتمثل في خطورة تحويل ادعاء الحق الديني في الحكم إلى مسوّغ لإخضاع الناس بالسلاح، ثم وصم مقاومتهم بالمروق. واستحضار هذا التاريخ يهدف إلى فهم ممارسات سلطة الإمامة ومشروعها التوسعي، دون تعميم أحكامها على أتباع مذهب بأسره.

ومن هذه المقاومة المحلية ننتقل إلى معنى الوحدة الوطنية: فإذا استطاع أبناء هذه الأرض، بما عُرف عنهم من الشجاعة والإباء والغيرة على ديارهم، مقاومة التوسع قبل تأسيس الدولة السعودية، وهم يفتقدون قيادة سياسية واحدة تجمعهم، فإنهم اليوم أشد قوة ومنعة، وأرسخ عزمًا ووحدة.

فالدولة السعودية وشعبها وأسرتها الحاكمة يجمعهم تاريخ من الوفاء والتضحية، وتربطهم وحدة راسخة تعاقبت الأجيال على صونها وتعزيزها؛ قيادة تبني وتحمي وترعى، وشعب يخلص ويذود ويسهم في البناء، ودولة تجعل خدمة الدين والوطن والإنسان في صميم رسالتها. ومن هذا التلاحم نشأت أمجادها، ورسخ أمنها، واتسع عطاؤها، واجتمعت قوتها على حماية السيادة وخدمة المقدسات وصيانة كرامة أبنائها.

وهو شعب كريم، عريق الأمجاد، أصيل المروءة، يجمع بين شجاعة الدفاع عن وطنه وخيرية البذل والعطاء، ويعتز بخدمة الحرمين الشريفين ونصرة المحتاج وإغاثة الملهوف. وقد وجدت هذه الخصال في وحدة الدولة مجالاً أوسع للعمل والأثر، فتحولت جهود أبناء المناطق إلى قوة وطنية مشتركة، تحمي البلاد وتسهم في نهضتها.

وقد أرسى الملك عبدالعزيز وحدة سياسية جمعت القلوب والصفوف وأبناء البلاد على راية واحدة؛ لتغدو، في تقديري، أنجح وحدة سياسية عربية، بما حققته من رسوخ واستمرار وأمن وتنمية، وبما أثبتته من قدرة على تجاوز المحن وتعزيز التلاحم بين القيادة والشعب. واليوم تتعاظم هذه القوة تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، مستندة إلى إرث راسخ، وشعب وفيّ، ومؤسسات مقتدرة، وقوات باسلة، ورؤية تدفع الوطن إلى آفاق أوسع من العز والازدهار.

وفي ضوء ذلك، تُقرأ مآلات المشروع الحوثي. فالمقارنة بين الماضي والحاضر لا تقوم على تطابق الأشخاص والظروف، وإنما على تأمل نهج التوسع بالقوة، وادعاء الاستحقاق المنفرد للحكم، والاستهانة بإرادة السكان وقوة الجوار. وهذه اختيارات تحمل في داخلها أسباب الاستنزاف والعزلة، وتضع المشروع الذي يتبناها في مواجهة مستمرة مع الناس والدولة ومصالح المنطقة.

إن وجود مفاهيم «الخروج والدعوة» في تراث الإمامة لا يمنح الحوثي حق احتكار حكم اليمن، ولا يبرر استباحة دماء أبنائه أو الاعتداء على جيرانه. واليمنيون أحق بدولة تصون حقوقهم وكرامتهم، وتجمع كلمتهم، وتفتح لهم أبواب الأمن والتنمية، وتستمد شرعيتها من رضاهم وخدمتهم.

وكلما أصر الحوثي على العدوان ووهم استعادة حكم الإمامة بالغلبة والسلاح، زاد من أسباب تعثر مشروعه، وحفر قبره بيده. ولن تكون الدول المساندة له ضماناً لبقائه؛ فالدعم الخارجي لا يلغي عواقب السياسات، ولا يعوّض غياب القبول، ولا يمنح مشروعاً توسعياً حصانة من مآلاته.

وهكذا يضيء التاريخ العلاقة بين شموخ الوطن ومآلات المشروع الحوثي: وحدة راسخة تتجدد بالبناء والوفاء، في مواجهة مشروع يستنزف نفسه بالحرب والتوسع. وثقتنا بالله، ثم بقيادتنا ورجالنا ووحدة شعبنا، راسخة في حماية الوطن ودحر العدوان؛ والسعيد من اتّعظ بغيره قبل أن يدفع ثمن تجاهله لدروس التاريخ.

حفظ الله المملكة وقيادتها وشعبها، وأيّد رجالها بنصره، وردّ كيد المعتدين إلى نحورهم، وأعان الشعب اليمني على استعادة دولته وأمنه وكرامته.