الحوثية وفرصة الاجتثاث
الأربعاء، ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦الحوثية حركة إمامية إقصائية تقوم على فكرة حكم السلالة كحق ديني غير قابل للنقاش، ومن ثم فهي لا يمكن أن تجنح للسلم، ولا يمكن أن تؤمن بالشراكة مع أطياف المجتمع اليمني المختلفة، ولا يمكن أن تقف عند حد معين في سبيل الاستيلاء على السلطة، والهيمنة على حكم اليمن بشكل مطلق، كما ترى أن عبد الملك الحوثي الحاكم الوحيد الذي يجب أن تخضع له اليمن؛ ومن تبعه ممن يدعون النسب الهاشمي، أما الشعب اليمني فهم في نظر هذه الفرقة مجرد أتباع لا يحق لهم الوصول للحكم ولا حتى مجرد المشاركة، ولهذا لا تقبل حلول الوسط، وإن رأت في نفسها ضعفا فما يمكن أن تقوم به في مثل هذه الحالة لا يتعدى المناورة والالتفاف حتى تتجاوز ما يمكن أن يؤدي إلى هزيمتها.
وقد رهنت الحوثية نفسها لأنظمة خارجية تأتمر بتوجيهاتها، وتسعى لتحقيق أهدافها أملا في استمرار تلقي الدعم منها.
الحوثية ومن هو على شاكلتها من الجماعات والطوائف في التكوين والأهداف لا يفيد معها أية هدنة أو مصالحة أو حل سياسي، ولا يجب التعامل معها بمثل هذه الحالات لأنها تمثل لها فرصا للتخطيط، والتنظيم، والتزود بالأسلحة، فكل هدنة معها هي في نظرها مجرد استعداد للمواجهة بشكل أفضل، وهذا ما حدث بالفعل في مراحل المواجهة معها في السابق.
ويخطئ من يظن أن أهداف الحوثية ستتوقف على السيطرة على اليمن، فلو استطاعت حكم قبضتها على اليمن فستتحرك إلى مناطق الجوار سعيا لتحقيق النظرية الرائجة في إيران القائلة بحتمية التقاء الإمام الخراساني مع الإمام اليماني، ولهذا فإن الحل السياسي لا يمكن أن يحل المشكلة اليمنية، والدعوة إليه غير مجدية والشاهد على ذلك انقلاب هذه الجماعة على مخرجات الحوار الوطني بعد مشاركتها فيه، وبالتالي فإن أية دعوة إلى حل سياسي معها تأتي من أي جهة دولية بعد كل ما جرى يجب عدم قبولها، والتعامل معها بحذر.
تمدد الحوثي الأخير على الساحل حتى مضيق باب المندب ليس شرا محضا للحكومة اليمنية ومن خلفها التحالف العربي، وإن كانت له تداعياته النفسية لأن ما حدث يمثل فرصة لإضعافه واستنزافه تمهيدا للقضاء عليه إذا تعاملت الحكومة اليمنية مع هذا الوضع من خلال رؤية شاملة وتخطيط مدروس، وهذا ما يبدو في عملية فجر اليمن التي أطلقها رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
ويمكن للتحالف والحكومة اليمنية استثمار هذا التمدد بشكل يخدم المعركة، فالحوثيون شماليون في الانتماء العقدي والجغرافي، ومن ثم فإن تمددهم على الساحل سيؤدي إلى تخلخل وجودهم، وتفرق قواتهم على الأراضي اليمنية، ويضعف تمركزهم في صنعاء، كما أن وجودهم في الساحل يفقدهم الحاضنة الشعبية، ويجعلهم في مواجهة مباشرة مع القوات الحكومية وبالتحديد قوات العمالقة التي أثبتت في الحروب السابقة جدارتها وقدراتها القتالية العالية.
إيقاف الحرب في هذه المرحلة مع الحوثي تحت أي ذريعة لن يكون في صالح الحكومة اليمنية والتحالف، وهذا ما أثبتته الهدن التي تمت مع هذه الجماعة منذ بداية الحروب الستة التي خاضتها الحكومة اليمنية ضدهم في عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح حتى الهدنة الأخيرة، إذ كانوا يكثفون استعداداتهم ويحاولون تلافي أخطائهم في كل هدنة، وقد استفادوا من هذه الحروب وزادتهم خبرة في المواجهة. كما أن أية هدنة أو اتفاق جديد مع هذه الفرقة بعد وصولها إلى باب المندب ستستثمره في التخطيط للهيمنة الشاملة على الدولة اليمنية.
الظروف الراهنة على المستويين الدولي والإقليمي مهيأة بشكل قد لا يتكرر لمواجهة الحوثية حتى القضاء عليها، فهي بوصولها إلى باب المندب قد أكدت للعالم خطورتها على الملاحة الدولية، ومن ثم فلن تجد أي تعاطف من أية جهة بل ستكون مواجهتها مطلوبة ومقبولة دوليا. وعلى المستوى الإقليمي، فقد تلقى الداعم الأساسي الوحيد لهذه الجماعة ضربات تدميرية موجعة في الحرب الأخيرة لا يمكن أن يتعافى منها على مدى عقود. وما تحتاجه الحكومة اليمنية في هذه المواجهة الأخيرة هو توحيد القوى الفاعلة التابعة لها، خاصة قوات درع الوطن وألوية العمالقة وإدماجها تحت قيادة واحدة لتشكل معا قوة ضاربة تستطيع اجتثاث هذه الفرقة الضالة.