الرأي

زيتونة لا شرقية ولا غربية

تستوقفني أحيانا بعض الصور أكثر مما تستوقفني بعض الأفكار. ربما لأنها لا تطلب منك أن تفهمها سريعا، بل أن تبقى أمامها قليلا. ومن هذه الصور عبارة: زيتونة لا شرقية ولا غربية. لا أريد هنا أن أقترب من الآية بوصفها تفسيرا، فذلك له أهله ومصادره وإنما أتأمل الصورة كما تصل إلى الخيال الإنساني: شجرة لا تريد أن تستقر في الجهة التي نصرّ نحن على وضع الأشياء فيها. لماذا نحب أن نصنف كل شيء؟ شرق أم غرب، قديم أم حديث، تراث أم حداثة، عقل أم روح نحن أم الآخر. كأن العالم لا يستطيع أن يعيش في أذهاننا إلا إذا وضعناه في صندوق، وأعطيناه اسما، ثم وقفنا في الجهة المقابلة منه. لكن الإنسان نفسه أكثر تعقيدا من هذه التقسيمات.

خذ ابن عربي مثلا. رجل خرج من الأندلس وتنقل في مدن ومجالات ثقافية مختلفة وترك لنا في شعره صورة للقلب الذي لا تضيق به صورة واحدة. يقول في أبياته الشهيرة:

لقد صار قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان و دير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة و مصحف قران

ثم يقول:

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني و إيماني

لا يمكن اختزال ابن عربي في فكرة حديثة عن التعايش أو الانفتاح، فمشروعه الصوفي أعمق من ذلك بكثير. لكن صورته تظل لافتة: قلب لا يرى العالم من نافذة واحدة .ثم يأتي جبران خليل جبران، الذي عاش بين العربية والإنجليزية، وبين لبنان وأمريكا، ولم يكن من السهل أن نضعه في جهة واحدة. لم يكن شرقيا بالمعنى الذي يلغي غربه، ولا غربيا بالمعنى الذي يتخلى فيه عن جذوره. كان يعيش في المسافة نفسها التي نحاول نحن أحيانا إلغاءها. وحتى غوته، الشاعر الألماني، وجد في حافظ الشيرازي نافذة إلى عالم آخر. ومن هذا اللقاء خرج الديوان الشرقي للمؤلف الغربي، عمل أدبي قام على الحوار بين شاعر ألماني وشاعر فارسي وبين ثقافتين لم يحاول أن يجعل إحداهما نسخة من الأخرى.

ربما لهذا تبدو لي الثقافة أجمل حين لا تكون جواز سفر. فالقصيدة لا تسأل شاعرها: من أي جهة أتيت؟ والفن لا يقف عند الحدود. والحب، في أكثر صوره صدقا، لا يحتاج إلى خريطة. المشكلة أننا نعيش زمنا كثرت فيه التصنيفات حتى أصبحت جزءا من طريقة تفكيرنا. نريد أن نعرف: من أنت؟ إلى أي جهة تنتمي؟ ماذا تمثل؟ وما موقفك من هذه الجهة أو تلك؟ حتى الإنسان أصبح مطالبا بأن يقدم نفسه في تعريف مختصر. لكن ماذا لو كان الإنسان أكبر من تعريفه؟ ماذا لو كانت له جذور واضحة، لكنه لا يغلق نوافذه؟ وماذا لو كان الانتماء لا يعني أن نغلق الأبواب أمام العالم، كما أن الانفتاح لا يعني أن نتخلى عن المكان الذي جاء منه صوتنا الأول؟ ربما لهذا أحب صورة الزيتونة. ليس لأنها تقدم لنا جوابا جاهزا وإنما لأنها تترك فينا سؤالا.

أن تكون لك جذور دون أن تتحول الجذور إلى جدار. أن تعرف من أين أتيت دون أن تجعل ذلك سببا لرفض كل ما يأتي من مكان آخر. وأن تكتشف، في النهاية أن بعض الأشياء أجمل حين لا نسألها: إلى أي جهة تنتمين؟ فهل نحن بحاجة فعلا إلى أن نكون شرقا أو غربا، أم أن الإنسان يستطيع أن يكون شيئا ثالثا لا تسعه هذه التقسيمات؟