من كثرة المجالس إلى حماية الخصوصية والملكية الفكرية: كيف نطور بيئتنا البحثية؟
الثلاثاء، ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦
تتميز كثير من المؤسسات الأكاديمية العريقة في أمريكا الشمالية بتاريخ طويل من الإنجازات التي أسهمت في إعادة تشكيل المعرفة والتقدم العلمي والإنساني، وبعض الجامعات، حين يفوز أحد علمائها بجائزة نوبل، لا تقدمه بوصفه حالة منفردة ونجم المؤسسة أو القسم أو الكلية، بل باعتباره رقمًا جديدًا يضاف إلى سجل مؤسسي ممتد "إنه الفائز رقم 37 في مؤسستنا" ويبقى السؤال العميق ماذا يميز تلك المؤسسات عن غيرها؟
قد تُختزل في عبارة "استقلالية عضو هيئة التدريس العلمية وحفظ خصوصيته البحثية والمهنية"، فإذا أراد أن يطبق فكرة بحثية يتواصل مع فريقه ومع لجنة الأخلاقيات في المؤسسة؛ فلا يشارك أفكاره مع منافسيه في مجالس مختلفة (حفظاً للملكية الفكرية لأعضاء هيئة التدريس والباحثين).
وإن أراد إحضار مختص من أي دولة في العالم للمساعدة في حل المشكلات البحثية، فيمكن له عرض جزء من بحثه كملصق في مؤتمر عالمي (لا يحتاج في حال الرغبة في هذه الإجازة بمشاركة خصوصياته ورغبته في الذهاب إلى مؤتمر عالمي في العديد من المجالس مع زملائه، بل التواصل بينه وبين الموارد البشرية (إجازة تعليمية لمدة أسبوع)، بشكل خاص يحفظ سريته وأهدافه وخططه المقبلة؛ فيمكن له إخبار زملائه ومديره المباشر (رئيس القسم) أنه غير متاح في ذلك الوقت بدلاً من مشاركة تفاصيله المهنية).
فالإجازة التعليمية حق حفظه النظام الأكاديمي له حول العالم، والمخول هو الموارد البشرية فقط، وهم ملزمون بحماية خصوصية الموظفين؛ فوفقاً للقواعد التنفيذية لديهم تتواصل معهم بشكل خاص بواسطة النظام الإلكتروني، وبعدها تخبر مديرك المباشر وزملائك بعدم توفرك وهم يوفرون شخصاً آخر يغطي عنك، وأنت ترد الخدمة لزميلك وتغطي عنه عندما يذهب إلى مؤتمر لاحقاً.
وتحمل هذه الصورة دلالة تستحق التأمل؛ فالقيمة الحقيقية للباحث لا ينبغي أن تُختزل في صناعة نجومية شخصية حول اسمه أو مشاركة أهدافه وخصوصياته مع الجميع، بقدر ما تظهر في منتجه العلمي: ماذا اكتشف؟ ماذا ابتكر؟ ما التقنية التي طورها؟ وكيف غير عمله فهمنا لمشكلة علمية أو أسهم في حلها؟
إن الإفراط في الاحتفاء بالشخص على حساب المنجز قد يحوّل البيئة الأكاديمية تدريجيًا من التنافس على جودة البحث إلى التنافس على الظهور، وحين يصبح هدف الباحث أن يكون هو في دائرة الضوء، لا أن يكون عمله العلمي هو الذي يتحدث عنه، قد تتضرر روح الفريق التي يقوم عليها البحث الحديث، وتبقى في نفس المكان، بل أن تجد بعض المؤسسات في أمريكا الشمالية ترفض تسليط الضوء على عضو هيئة التدريس بعينه بل تجدها في الأخبار توضح أن العمل المنشور هو عمل طالب الدكتوراة/ الماجستير، وتجد عضو هيئة التدريس يوضح أن ما وصل له من نجاح في مسيرته هو بسبب فريقة البحثي (الطلاب ومساعدين المختبر وغيرهم) ولم يفعله لوحده.
من خطر الغرور هو أن يقتنع الباحث، بفعل كثرة المديح، بأنه وصل إلى مرحلة لا يحتاج بعدها إلى التعلم، فالعلم بطبيعته متغير، وما يعرفه الباحث اليوم قد يصبح غدًا بحاجة إلى مراجعة، ولذلك فإن التواضع العلمي ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل ضرورة للتطور العلمي المستمر، فلن تتطور إن عاملتك مؤسستك بأنك النجم، بل يجب أن تعاملك بماذا ستقوم في المرحلة القادمة؟ وهنا يبدأ الابتكار.
أعضاء هيئة التدريس في أمريكا الشمالية لديهم لجان وأعباء إدارية وتدريس و أعباء إكلينيكية في تدريب الأطباء المقيمين والامتياز والزملاء وعلاج المرضى (إن كان ممارس صحي)، فالأكاديمية لا تفرق في قوانينها حول العالم، ولكن ما يميز تلك المؤسسات هي الاستقلالية الفكرية للباحث، ووجود منظومة وقوانين تمويل وبنية مؤسسية تساعده على تحويل أفكاره إلى أسئلة قابلة للاختبار والتجربة، مع احترام الخصوصية المهنية وحماية البيانات والأفكار البحثية، فتواصلك مع الجهات الإدارية المختصة في الجامعة فقط وليس مع منافسيك (زملائك) في مجالس عديدة.
في هذه البيئة، لا يُفترض أن يكون الباحث مجرد متلقٍ لما هو سائد ومتملق لزملائه، بل يُشجَّع على التساؤل والنقد العلمي وتبنّي الأفكار الجديدة، بل وعلى قدر من «التمرد العلمي المنضبط»؛ أي الجرأة على مخالفة المألوف عندما يمتلك سؤالًا علميًا مشروعًا وأدوات قادرة على اختباره، ولن تستطيع ذلك بدون النقود، فتحتاج إلى أن تقدم في جهات عديدة لكي تحصل على تمويل لسؤالك البحثي؛ لذا لا تشارك أفكارك مع منافسين مالم تنشرها في مجلات مصنفه، فقد ينسبونها لهم ويحصلوا هم على الدعم المالي، وينشرون ويحصلون على الجوائز، ولكن الفكرة الأساسية كانت لك! لذا تتعلم الدرس الأول في المدرسة البحثية في أمريكا الشمالية كمتدرب وهي ألا تشارك كل شيء!
ولعل قصة "باري مارشال" و"روبن وارن" من أشهر الأمثلة على ذلك. فقد واجهت فرضيتهما حول ارتباط بكتيريا Helicobacter pylori بالتهاب المعدة والقرحة قدرًا كبيرًا من التشكيك، في وقت كان التصور العلمي السائد لا يتوقع قدرة البكتيريا على الاستيطان في البيئة الحمضية للمعدة. لكن الأدلة التجريبية غيّرت الفهم العلمي للمرض، وانتهى الأمر بحصولهما على جائزة نوبل في الطب عام 2005.
وهنا يتعلم الباحث درسًا بالغ الأهمية:
قف خلف فكرتك ما دام لديك سؤال علمي مشروع، ولكن لا تتعصب لها؛ اختبرها، وحاول أن تدحضها قبل أن تحاول إثباتها، ثم دع البيانات تتحدث.
إن ما ينقصنا ليس المعامل؛ فمعاملنا مساوية لما في أمريكا الشمالية، وقد تكون أفضل من ناحية المساحة والأجهزة، ولا ينقصنا المال؛ فهناك العديد من الجهات التي تمول البحوث سواءً محلياً أو عالمياً، ولا الوقت والتدريس والأعباء الإدارية والإكلينيكية؛ فهذا أيضاً موجود في المؤسسات الفائزة بنوبل، ولكن المشكلة تكمن في كثرة المجالس (البيروقراطية) والموافقات من أشخاص ليس لهم علاقة، بل أحياناً يعتبرون منافسين لك.
لابد أن يكون التواصل سرياً بين لجنة الأخلاقيات البحثية والفريق البحثي بلا مجالس، وإن كان لديك سؤال إداري في أي نقطة في مسيرتك تستطيع أن تتحدث وتسأل من أردت، فلا توجه سؤالك إلى رئيسك المباشر الذي يقوم بتوجيه سؤالك إلى اللجنة المختصة – هناك لعبة كنا نلعبها ونحن صغار تشبه هذه البيروقراطية الأكاديمية وتسمى لعبة "تلفون خربان" – بل من أراد سؤالاً يسأل من أراد، فهذه مؤسسة بحثية وأكاديمية، جميع الموجودين لديهم أسئلة وجميعنا يجب أن نجيب على أسئلة بعضنا، وجميعنا يجب ألا نحتاج إلى شخص لكي يوصل سؤالنا.
ومن لديه الرغبة في التقديم على التمويل وجهز الفريق والفكرة، فليقدم إلى القسم المعني في الجامعة قبل تسليمه إلى الجهة التمويلية، فلا تحتاج موافقة منافسيك في المهنة، بل تتواصل مع الجهة المعنية في المؤسسة؛ توجد قواعد تنفيذية تحمي خصوصية الجميع.
من أراد التقديم على إجازة تعليمية لكي يقوم بعرض بحثه في مؤتمر عالمي، أو رغبةً منه في استقطاب عقل عالمي يساعده في حل مشكلة الفريق البحثي، يتواصل مع الموارد البشرية بشكل خاص لطلب إجازة تعليمية، فلا يعلم زملاؤه تفاصيله المهنية الشخصية، مثل ما هي الدولة التي سيعرض فيها بحثه، وما اسم المؤتمر وكم يوم إجازة، والعديد من التفاصيل الشخصية التي لا يجب مشاركتها في العديد من المجالس، بل لابد من التواصل الخاص مع الجهات المعنية في المؤسسة وهي الموارد البشرية.
قد تُختزل في عبارة "استقلالية عضو هيئة التدريس العلمية وحفظ خصوصيته البحثية والمهنية"، فإذا أراد أن يطبق فكرة بحثية يتواصل مع فريقه ومع لجنة الأخلاقيات في المؤسسة؛ فلا يشارك أفكاره مع منافسيه في مجالس مختلفة (حفظاً للملكية الفكرية لأعضاء هيئة التدريس والباحثين).
وإن أراد إحضار مختص من أي دولة في العالم للمساعدة في حل المشكلات البحثية، فيمكن له عرض جزء من بحثه كملصق في مؤتمر عالمي (لا يحتاج في حال الرغبة في هذه الإجازة بمشاركة خصوصياته ورغبته في الذهاب إلى مؤتمر عالمي في العديد من المجالس مع زملائه، بل التواصل بينه وبين الموارد البشرية (إجازة تعليمية لمدة أسبوع)، بشكل خاص يحفظ سريته وأهدافه وخططه المقبلة؛ فيمكن له إخبار زملائه ومديره المباشر (رئيس القسم) أنه غير متاح في ذلك الوقت بدلاً من مشاركة تفاصيله المهنية).
فالإجازة التعليمية حق حفظه النظام الأكاديمي له حول العالم، والمخول هو الموارد البشرية فقط، وهم ملزمون بحماية خصوصية الموظفين؛ فوفقاً للقواعد التنفيذية لديهم تتواصل معهم بشكل خاص بواسطة النظام الإلكتروني، وبعدها تخبر مديرك المباشر وزملائك بعدم توفرك وهم يوفرون شخصاً آخر يغطي عنك، وأنت ترد الخدمة لزميلك وتغطي عنه عندما يذهب إلى مؤتمر لاحقاً.
وتحمل هذه الصورة دلالة تستحق التأمل؛ فالقيمة الحقيقية للباحث لا ينبغي أن تُختزل في صناعة نجومية شخصية حول اسمه أو مشاركة أهدافه وخصوصياته مع الجميع، بقدر ما تظهر في منتجه العلمي: ماذا اكتشف؟ ماذا ابتكر؟ ما التقنية التي طورها؟ وكيف غير عمله فهمنا لمشكلة علمية أو أسهم في حلها؟
إن الإفراط في الاحتفاء بالشخص على حساب المنجز قد يحوّل البيئة الأكاديمية تدريجيًا من التنافس على جودة البحث إلى التنافس على الظهور، وحين يصبح هدف الباحث أن يكون هو في دائرة الضوء، لا أن يكون عمله العلمي هو الذي يتحدث عنه، قد تتضرر روح الفريق التي يقوم عليها البحث الحديث، وتبقى في نفس المكان، بل أن تجد بعض المؤسسات في أمريكا الشمالية ترفض تسليط الضوء على عضو هيئة التدريس بعينه بل تجدها في الأخبار توضح أن العمل المنشور هو عمل طالب الدكتوراة/ الماجستير، وتجد عضو هيئة التدريس يوضح أن ما وصل له من نجاح في مسيرته هو بسبب فريقة البحثي (الطلاب ومساعدين المختبر وغيرهم) ولم يفعله لوحده.
من خطر الغرور هو أن يقتنع الباحث، بفعل كثرة المديح، بأنه وصل إلى مرحلة لا يحتاج بعدها إلى التعلم، فالعلم بطبيعته متغير، وما يعرفه الباحث اليوم قد يصبح غدًا بحاجة إلى مراجعة، ولذلك فإن التواضع العلمي ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل ضرورة للتطور العلمي المستمر، فلن تتطور إن عاملتك مؤسستك بأنك النجم، بل يجب أن تعاملك بماذا ستقوم في المرحلة القادمة؟ وهنا يبدأ الابتكار.
أعضاء هيئة التدريس في أمريكا الشمالية لديهم لجان وأعباء إدارية وتدريس و أعباء إكلينيكية في تدريب الأطباء المقيمين والامتياز والزملاء وعلاج المرضى (إن كان ممارس صحي)، فالأكاديمية لا تفرق في قوانينها حول العالم، ولكن ما يميز تلك المؤسسات هي الاستقلالية الفكرية للباحث، ووجود منظومة وقوانين تمويل وبنية مؤسسية تساعده على تحويل أفكاره إلى أسئلة قابلة للاختبار والتجربة، مع احترام الخصوصية المهنية وحماية البيانات والأفكار البحثية، فتواصلك مع الجهات الإدارية المختصة في الجامعة فقط وليس مع منافسيك (زملائك) في مجالس عديدة.
في هذه البيئة، لا يُفترض أن يكون الباحث مجرد متلقٍ لما هو سائد ومتملق لزملائه، بل يُشجَّع على التساؤل والنقد العلمي وتبنّي الأفكار الجديدة، بل وعلى قدر من «التمرد العلمي المنضبط»؛ أي الجرأة على مخالفة المألوف عندما يمتلك سؤالًا علميًا مشروعًا وأدوات قادرة على اختباره، ولن تستطيع ذلك بدون النقود، فتحتاج إلى أن تقدم في جهات عديدة لكي تحصل على تمويل لسؤالك البحثي؛ لذا لا تشارك أفكارك مع منافسين مالم تنشرها في مجلات مصنفه، فقد ينسبونها لهم ويحصلوا هم على الدعم المالي، وينشرون ويحصلون على الجوائز، ولكن الفكرة الأساسية كانت لك! لذا تتعلم الدرس الأول في المدرسة البحثية في أمريكا الشمالية كمتدرب وهي ألا تشارك كل شيء!
ولعل قصة "باري مارشال" و"روبن وارن" من أشهر الأمثلة على ذلك. فقد واجهت فرضيتهما حول ارتباط بكتيريا Helicobacter pylori بالتهاب المعدة والقرحة قدرًا كبيرًا من التشكيك، في وقت كان التصور العلمي السائد لا يتوقع قدرة البكتيريا على الاستيطان في البيئة الحمضية للمعدة. لكن الأدلة التجريبية غيّرت الفهم العلمي للمرض، وانتهى الأمر بحصولهما على جائزة نوبل في الطب عام 2005.
وهنا يتعلم الباحث درسًا بالغ الأهمية:
قف خلف فكرتك ما دام لديك سؤال علمي مشروع، ولكن لا تتعصب لها؛ اختبرها، وحاول أن تدحضها قبل أن تحاول إثباتها، ثم دع البيانات تتحدث.
إن ما ينقصنا ليس المعامل؛ فمعاملنا مساوية لما في أمريكا الشمالية، وقد تكون أفضل من ناحية المساحة والأجهزة، ولا ينقصنا المال؛ فهناك العديد من الجهات التي تمول البحوث سواءً محلياً أو عالمياً، ولا الوقت والتدريس والأعباء الإدارية والإكلينيكية؛ فهذا أيضاً موجود في المؤسسات الفائزة بنوبل، ولكن المشكلة تكمن في كثرة المجالس (البيروقراطية) والموافقات من أشخاص ليس لهم علاقة، بل أحياناً يعتبرون منافسين لك.
لابد أن يكون التواصل سرياً بين لجنة الأخلاقيات البحثية والفريق البحثي بلا مجالس، وإن كان لديك سؤال إداري في أي نقطة في مسيرتك تستطيع أن تتحدث وتسأل من أردت، فلا توجه سؤالك إلى رئيسك المباشر الذي يقوم بتوجيه سؤالك إلى اللجنة المختصة – هناك لعبة كنا نلعبها ونحن صغار تشبه هذه البيروقراطية الأكاديمية وتسمى لعبة "تلفون خربان" – بل من أراد سؤالاً يسأل من أراد، فهذه مؤسسة بحثية وأكاديمية، جميع الموجودين لديهم أسئلة وجميعنا يجب أن نجيب على أسئلة بعضنا، وجميعنا يجب ألا نحتاج إلى شخص لكي يوصل سؤالنا.
ومن لديه الرغبة في التقديم على التمويل وجهز الفريق والفكرة، فليقدم إلى القسم المعني في الجامعة قبل تسليمه إلى الجهة التمويلية، فلا تحتاج موافقة منافسيك في المهنة، بل تتواصل مع الجهة المعنية في المؤسسة؛ توجد قواعد تنفيذية تحمي خصوصية الجميع.
من أراد التقديم على إجازة تعليمية لكي يقوم بعرض بحثه في مؤتمر عالمي، أو رغبةً منه في استقطاب عقل عالمي يساعده في حل مشكلة الفريق البحثي، يتواصل مع الموارد البشرية بشكل خاص لطلب إجازة تعليمية، فلا يعلم زملاؤه تفاصيله المهنية الشخصية، مثل ما هي الدولة التي سيعرض فيها بحثه، وما اسم المؤتمر وكم يوم إجازة، والعديد من التفاصيل الشخصية التي لا يجب مشاركتها في العديد من المجالس، بل لابد من التواصل الخاص مع الجهات المعنية في المؤسسة وهي الموارد البشرية.