الرأي

(أبرهة والحوثي) واستهداف الحرمين الشريفين لمصالح قوى خارجية



يبدو التاريخ، في بعض مشاهده، وكأنه يعيد إنتاج الأحداث بأسماء وأدوات مختلفة. فقد عرف اليمن في القرن السادس الميلادي أبرهة الأشرم أداة لتحقيق مصالح خارجية، ويشهد اليوم الحوثي بوصفه أداة لتحقيق مصالح خارجية في اليمن والمنطقة.

ولا تقتصر المقارنة بين أبرهة والحوثي على اختلاف الأزمنة والوسائل، بل تتصل بمشروعين استخدم فيهما اليمن لخدمة قوة خارجية، واقترنت فيهما السيطرة السياسية والعسكرية بمحاولة تغيير هوية الشعب اليمني الدينية والثقافية. وقد اتفق أبرهة والحوثي - على تباعد الزمن واختلاف الظروف - في أمور عدة:

1 - كلاهما أداة لتحقيق مصالح لقوى خارجية:

فأبرهة الأشرم: دخل بجيشه إلى اليمن في القرن السادس الميلادي، وجاء أبرهة في سياق الوجود الأكسومي الحبشي، ثم أصبح حاكما لليمن. وهكذا أصبح اليمن جزءا من صراع القوى الكبرى في ذلك العصر، وارتبط حكم أبرهة بالنفوذ الحبشي ومشروعه السياسي والديني في جنوب الجزيرة العربية.

والحوثي: كذلك ارتبط الحوثي بالمشروع الخارجي سياسيا وعسكريا وفكريا، لمن يدعمه من الخارج. وهكذا تحول الحوثي إلى أداة لمشروع خارجي في اليمن والمنطقة، وأصبح اليمن ساحة للصراع الإقليمي والمصالح الخارجية بسبب الحوثي وجماعته.

2 - كلاهما سعيا لتغيير عقيدة اليمن وهويته:

فأبرهة الأشرم: لم يكتف بالحكم، بل سعى لإعادة تشكيل الهوية الدينية والفكرية لليمن ونقلهم إلى الديانة النصرانية ولذلك بنى (كنيسة القليس) لصرف العرب عن الحج للمسجد الحرام.

كذلك الحوثي: فالحوثيون في أصل نشأتهم من الزيدية الجارودية الغالية، ثم ازداد اتصال زعمائهم وقادتهم بإيران فبرزت العقائد الاثني عشرية تتضح في خطابهم من الإيمان: (بالإمامة وعصمة الأئمة الاثني عشرية، وتكفير الصحابة وأمهات المؤمنين، وغيرها) ثم انتقل هذا المشروع إلى المدارس والمراكز الصيفية والخطاب الديني العام للناس.

فالقليس كانت أداة أبرهة لتغيير الوجهة الدينية، والمناهج والمراكز والمنابر أصبحت من أدوات الحوثي لإعادة تشكيل الهوية الدينية والفكرية في اليمن.

3 - الانتقال من الدعوة إلى استخدام القوة:

فأبرهة: لما لم يستطع أن يصرف العرب عن الكعبة إلى (كنيسة القليس)، جاءت المرحلة الأخطر؛ فجمع جيشه وسار بالفيل نحو مكة يريد هدم الكعبة. وهنا انتقل المشروع من بناء كنيسة والدعوة إليها إلى استخدام القوة العسكرية لإزالة الرمز الديني المنافس.

وكذلك الحوثي: ففي منطقة (دماج) بمحافظة صعدة على سبيل المثال، كان مركز دار الحديث من أشهر المراكز السلفية في اليمن. وتصاعد الصراع بين الحوثيين والسلفيين إلى حصار وقتال شديد خلال عامي 2013 و2014، وتركز القتال حول دماج ودار الحديث وغيرها، وانتهى الأمر بخروج السلفيين وأسرهم منها. وهنا تتكرر الصورة: حين لا يحقق المشروع الديني غايته بالإقناع، تدخل القوة والسلاح لفرض واقع جديد.

4 - من فيل أبرهة إلى صواريخ الحوثي:

فأبرهة الأشرم: بلغ المشروع ذروته حين سار أبرهة بالفيل نحو مكة. لم تعد القضية عند ذلك الوقت كنيسة في صنعاء، بل أصبح بيت الله الحرام نفسه هدفا للحملة العسكرية. وقد خلد القرآن نهاية جيش أصحاب الفيل فقال تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ۝ ألم يجعل كيدهم في تضليل ۝ وأرسل عليهم طيرا أبابيل﴾.

وأما الحوثي: فقد شهد الصراع المعاصر إطلاق الحوثيين صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه المملكة العربية السعودية، وبالتحديد إلى (الحرمين الشريفين في مكة والمدينة) وهنا تستوقفني الصورة: بالأمس فيل يتجه نحو مكة، واليوم صاروخ يتجه نحوها؛ تغيرت آلة الحرب، وبقي العداء لبلد الله الحرام (في مكة والمدينة) وكل هذا لم يراعوا فيه حرمة بيت الله الحرام. (من الفيل إلى الصواريخ).

5 - اليمن يدفع ثمن مشروع مصلحة القوى الخارجية:

فأبرهة الأشرم: كانت اليمن أرضا تتصارع عليها القوى الكبرى آنذاك. ومات الحكام وتبدلت الدول، لكن الشعب اليمني بقي يتحمل آثار ذلك الصراع.

وكذلك الحوثي: اليوم أصبح اليمن مرة أخرى ساحة لصراع إقليمي، وتهديدا للأمن الإقليمي، فبدل أن تتجه موارده وقوة أبنائه إلى بناء وطنهم، استنزفت الحرب البلاد، وأدخلتها في صراعات تتجاوز حدود اليمن لتحقيق مصالح خارجية لا مصلحة اليمن وشعبها.

وهذه هي أوضح أوجه الشبه بين أبرهة كأداة لتحقيق مصالح خارجية، والحوثي كأداة لتحقيق مصالح خارجية؛ وفي الحالتين القوة الخارجية تبحث عن مصالحها، والأداة تنفذ مشروعها، واليمن وأهله هم الذين يدفعون الثمن.

أما النهاية: فقد ذهب أبرهة الأشرم وبقي اليمن، وهلك أصحاب الفيل وبقيت الكعبة، وسيبقى - بإذن الله - اليمن لأهله، وستبقى مكة والمدينة مصونتين، بدولة الإسلام (المملكة العربية السعودية)، ويذهب الحوثي وجماعته لغير رجعة. وقد بدأت بشائر النصر الكبير تلوح في الأفق لتطهير أرض اليمن من شرهم، بتوفيق الله أولا ثم بجيش صقور السعودية الأبطال، وبالجيش اليمني الشجاع والحلفاء الأوفياء والذين يخوضون معركة التطهير، معركة (فجر اليمن المباركة) لتطهير اليمن واستعادة الدولة، ولن يكون اليمن أداة لتحقيق مصالح القوى الخارجية.