الرأي

مقاطعة الحديث.. فن بلغ حد الإتقان



في كل مرة أجلس فيها مع أصدقاء أحبهم، أعاهد نفسي أن يكون مقالي القادم عن «فن مقاطعة الحديث». فالأمر لم يعد زلة عابرة، بل صار صنعة لها قواعدها الخفية وأساليبها ورجالها. ولأسير على طريقة أصدقائنا الأكاديميين، أبدأ بالتعريف: المقاطعة هي أن تتكلم قبل أن ينهي غيرك كلامه، وأرجو ألا يقاطعني أحد في حديثي القادم!

أما أساليبها في سرقة سرديتك فأكثر من أن يحصيها مقال، وهذه أبرزها باختصار غير مخل: لحظة التنفس. يملك بعضهم موهبة نادرة في التقاط اللحظة التي يدخل فيها الهواء إلى رئتي المتحدث، فيدخل هو في الحديث مع الشهيق تماما، ولا يخرج حديث صاحبنا منه أبدا، حتى صار بعض الرواة يسردون قصصهم بلا فواصل ولا تنفس، ولا حتى علامات التعجب المعنوية، خوفا من هؤلاء المحترفين. أما عبارة الاستعطاف فتبدأ بكلمات تشجيعية من نوع «نقطة مهمة أشرت إليها..»، ثم يتضح أنه لم يلتفت إلى تلك النقطة أصلا، وإنما اتخذها بوابة لإفساد حديثك وبناء روايته الشخصية!

ثمة أنانية ظاهرة وهي أن المقاطِع لا ينشغل بما تقول؛ بقدر انشغاله بما يريد أن يقول. فقد تسمع مداخلة لا صلة لها بالفكرة، لكنها كانت تضغط في رأس صاحبها، ولم يجد فرصة أنسب لإطلاقها، إلا من خلال مقاطعة حديثك أنت، وتود أن تقول له: حسنا، لماذا لم تقاطع غيري، لماذا تفسد حديثي أنا بالذات؟!

ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أن هذه المقاطعة تأتي مغلفة بالتواضع: «عندي ملاحظة بسيطة..»، ثم تتحول هذه الملاحظة البسيطة إلى نصف ساعة من الشرح، وتتفرع منها ثلاث ملاحظات أخرى، وربما موضوع جديد بالكامل، ولا يوقفه حينها إلا مقاطع محترف من وزنه وربما أكثر احترافية منه! كما لا يتوانى أحدهم عن أن يظهر حركة عفوية. كأن ينهض ثم يعود، ويستغل عودته في الدخول على الحديث، وكأنه لم يقاطع وإنما صادف أن الحديث كان قائما في المكان الخطأ.

فن إثارة الدهشة موهبة يملكها جميع متقني هذا الفن «تصدقون؟» أو «تدرون وش صار؟» عبارات تخطف الأنظار في لحظة. وكذلك «مصداقا لحديثك..» التي تنذر بأن حديثك سيقتاد إلى وجهة أخرى لا تشبهه. أما بعضهم فإنه يصنع السؤال الوهمي، وهو أدهى الأساليب. إذ يعلن من خلاله أنه يريد أن يسأل، فتنتظر السؤال، ثم تنتظر، ثم تدرك أنه لم يكن لديه سؤال أصلا. أراد فقط أن يفتح بابا لقصة جديدة داخل قصتك، أو محاضرة داخل حديثك. تفتش في كلامه عن علامة استفهام فلا تجد إلا جملا تقريرية ينقصها التعجب.

الطريف حقا ليس ما يفعله هؤلاء، بل كيف يتقبله الآخرون كأنها الطريقة الطبيعية لتجاذب الحديث. فقد تجد متحدثا تتم مقاطعته، فيسمح الحاضرون للمقاطع بالاستمرار، ثم يديرون وجوههم نحوه، ويتركون صاحب الحديث الأصلي كأنه أنهى كلامه، وهو لم ينهه.

المشكلة في الجماعة التي تكافئ المقاطِع بالإنصات. والأهم أن ندرك أن احترام المتحدث وإكمال حديثه لا يعني موافقته، بل يعني منحه حقا بسيطا جدا: أن ينهي الجملة التي بدأها، وأن يختم حديثه الذي سمحنا له فيه أن يتحدث! فالمحادثة ليست سباقا إلى الكلام، ولا ساحة لمن ينتزع الميكروفون أولا. إنها مساحة مشتركة، ومن أبسط قواعدها أن لكل متحدث دورا يبدؤه وينهيه.