الرأي

حين يستعير الحوثي مصداقيتك

أثمن ما قد تقدمه وسيلة إعلام لمليشيا الحوثي هو أن يصدقها جمهور لم يكن يصدقها. فالبيان الصادر عن الجماعة يصل محملا بالشك، لكن مضمونه حين يعبر شاشة معروفة قد يكتسب مصداقيتها، خصوصا إذا اختفت المسافة بين ما تدعيه الجماعة وما استطاعت الوسيلة التحقق منه.

هذا ما يستحق التوقف حينما نرى بعض وسائل الإعلام الخليجية تقوم بترويج الدعاية الحوثية والإيرانية. فالمشكلة المحتملة تتجاوز إتاحة الكلام للخصم إلى إعارته رصيدا من الثقة لم يبنه داخل مجتمعات خبرت خطره. وكلما بدت الوسيلة أبعد عنه، ازدادت قيمة ما تمنحه له حين تمرر روايته دون فحص.

لنتأمل ما قد يحدث. تصدر الجماعة بيانا عن عملية عسكرية، وتنقله قناة، ثم تقتبس منصة الخبر من القناة، ويتداوله معلق بوصفه مما أكدته وسائل إعلام متعددة. تبدو أمام المشاهد مصادر كثيرة، بينما تعود جميعها إلى فم واحد. تكاثر الناقلون، وبقي الدليل غائبا.

وفي دراسة نشرتها مؤسسة راند عام 2016 عن الدعاية الروسية، شرح الباحثان كريستوفر بول وميريام ماثيوز كيف يمكن لكثافة الرسائل وسرعتها وتكرارها عبر قنوات متعددة أن تمنحها تأثيرا، حتى مع ضعف التزامها بالحقيقة أو الاتساق. تخص الدراسة حالة مختلفة، لكنها تضيء خطر الخلط بين تعدد مرات سماع المعلومة وتعدد الأدلة عليها.

قد يخدم المحرر الدعاية دون قصد. يكفي أن يتسابق على العاجل، ويترك لغة المصدر تحدد له العنوان، ثم ينشغل بالخبر التالي قبل مراجعة الأول. وتصبح عبارات مثل (عملية نوعية) و(هدف استراتيجي) أوصافا متداولة، مع أنها جزء من الطريقة التي يريد صاحب البيان أن نفهم بها فعله. السؤال المهني يبدأ من الكلمات.

حين تغيب حياة الوفيات من المدنيين خلف اللغة الاستعراضية للسلاح، يكون المعتدي قد نجح في نقل النقاش من مسؤوليته عن الضرر إلى الإعجاب بقدرته على إحداثه. وعلى شاشة خليجية، يصبح هذا الاختلال مضاعفا.

ولدينا تجربة سعودية في التعامل مع الصورة. بعد الاعتداء على بقيق وخريص، نظمت أرامكو في 20 سبتمبر 2019 زيارة لأكثر من ثمانين صحفيا محليا وإقليميا ودوليا. اطلعوا على الأجزاء المتضررة، واستمعوا إلى شرح الاستجابة واستعادة الإنتاج. ومغزاها: إتاحة الوقائع للفحص تساعد على استعادة زمام التغطية، وتمنح الصحفي مادة تتجاوز بيان المهاجم.

ولهذا تحتاج المواجهة الإعلامية إلى عمل تحريري جاد؛ التحقق من زمن الصورة ومكانها، ومراجعة الأرقام، ومتابعة الادعاء حتى تتضح نتيجته. ويستحق التصحيح من البروز ما ناله الخبر الخاطئ. وصب الاتهامات على كل من ينقل خبرا غير مريح يضعف هذه المهمة، ويمنح المتلاعب فرصة الاحتماء بأخطاء منتقديه.

غير أن التحقق لا يقتضي ترك المشهد بلا معلومة حتى تكتمل التفاصيل. فإفادة عاجلة بما ثبت، يعقبها بيان أولي يوضح المتاح وما يجري التحقق منه، ثم بيان تفصيلي يستكمل الصورة، تضيق المساحة أمام الشائعة وتمنح الجمهور سببا للثقة. أما التأخر، فيتيح لروايات شهود العيان واجتهادات المنصات والتغطيات الأجنبية أن تشكل الانطباع الأول، فتصل المعلومة الموثقة لتصحح تصورا استقر، بعد أن كان بوسعها أن تسهم في بنائه. ومن الصعب أن نطالب الآخرين بألا يملؤوا الفراغ، فيما نتريث نحن في تقديم ما نعرفه.

من حق الجمهور أن يسمع ما يقوله الحوثي، ومن واجب الصحفي أن يساعده على اختباره. الفارق تصنعه الأسئلة التي يوجهها المحرر إلى البيان قبل أن يوجهه إلى الناس. وما ينبغي لشاشة خليجية أن تمنح جماعة اعتدت على المنطقة فرصة الظهور بمصداقية تلك الشاشة، ثم تعد ما فعلته مجرد نقل.