الرأي

اليمن وتعقيدات مشهده الفكري والسياسي



المشهد في اليمن يزداد تعقيدا وضبابية حول مستقبل هذا البلد في الداخل والخارج، اليمن على مستوى الجغرافيا متنوع حد الاختلاف الشديد، فمن مرتفعات جبلية شاهقة إلى مناطق مفتوحة وصولا إلى مدن وحواضر عتيقة عامرة بعبق التاريخ، يسكنه إنسان تعايش مع صلف العيش وشدته، وتعايش مع حاضر جله حروب وجهل وفقر ومرض.

الإمامية كانت حاضرة في المشهد السياسي اليمني، البعض يقول إنها من عشرات القرون، وتقوم على بعد فكري يجعل الحق السياسي مقصورا ومقتصرا على أسرة معينة بذاتها، يكون فيها الحق المقدس لتداول السلطة وفق مبادئ أسرية ومذهبية شديدة التعقيد.

جاءت ثورة السلال بدعم من عبدالناصر للإطاحة بهذه الأسرة ونظامها، وعلى إثرها دخل اليمن معتركا سياسيا جديدا وهو العهد الجمهوري، استمر هذا العهد من بداية الستينات حتى جاء الربيع العربي، وفيه سقط نظام صالح، ثم تهاوى النظام الجمهوري بعد ذاك بعد أن انقلب الحوثيون على شرعيته.

الفراغ السياسي في اليمن لم تستطع الأحزاب السياسية في اليمن ملؤه لأسباب كثيرة ليس هذا مجال ذكرها، لكن وبتخاذل كثير من القوى السياسية المؤثرة في اليمن، تم تسليم صنعاء للحوثيين، وهنا بدأت قصة جديدة اسمها البعد الإمامي الجديد في صورته المذهبية الجديدة، وهنا يكمن ويكون السؤال، لماذا صمتت الزيدية ممثلة في سوادها الأعظم من العلماء والمفكرين وعامة الناس على هذا الانقلاب الفكري الذي أحدثته أسرة الحوثي؟

سؤال يحتاج إلى الكثير من الفهم والإدراك لأبعاد هذه الخطوة وإرهاصاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية على مستوى العائلة الحوثية ذاتها، ومن ورائها جحافل الزيدية التي إن لم تؤمن بعضها بهذا التغيير بعد فإن البعض الآخر ما زال يغض الطرف عنه، ولكن إلى متى سيستمر هذا التناقض الغريب والأغرب أن يكون في اليمن؟

اليوم يعيش الفرقاء والفقراء - كأغلبية اجتماعية ساحقة - في اليمن أسوأ حرب أهلية طاحنة، والحوثي يحاول من خلال السرديات المملاة عليه، وضع السعودية وشعبها ومقدراتها لتكون عنوانا لهذا الصراع، وكأن دخولها أو خروجها من الأحداث، هو ما سيغير طبيعة المشهد اليمني المعقد سياسيا ومذهبيا، الذي يمثل الحوثيون فيه كل صور الخروج على النظام والقانون.

المشهد في اليمن مهما عظم فهو عنوان فرعي يأتي في سياق الأزمة الطاحنة في الخليج، فالحوثيون ليسوا صناع دولة ولا يستطيعون مهما كان مستوى حضورهم في اليمن أن يؤسسوا لمفهوم دولة عصرية تضم كل هذا الطيف الواسع من المناوئين لهم والتابعين على حد سواء، لأنهم باختصار أدوات حروب ودمار ليس لهم في بناء الدول ولا إنشاء الحضارات نصيب أو سهم يشفع لهم بالبقاء في الحضارة الإنسانية وشواهدها الحية.

الحوثي ببعده المذهبي الجديد نسبيا على اليمن؛ كون اليمن زيديا على المستوى الطائفي، وشافعيا على مستوى الأمة السنية وبنسبة ساحقة، هذا البعد المذهبي الجديد الذي تبناه الحوثي في اليمن، يحمل في نفسه بذرة زواله وخاصة في اليمن، فلا يمكن له أن يغير الزيدية ولا اعتدالها التاريخي وتصالحها الاجتماعي مع شوافع اليمن، فهولاء الشوافع وبالأرقام والشواهد التاريخية؛ يظلون أكثرية تزن المشهد في اليمن وتعيد توازنه إذا لزم الأمر!

سردية الحوثي التي يعلن فيها أن صراعه الوحيد مع المملكة العربية السعودية فقط، هي سردية مذهبية ولكنها ليست زيدية! لأن مشكلة الحوثي - المتحول مذهبيا - مع جواره الإقليمي ومع السعودية تحديدا أن الأخيرة تمثل العمق السني الذي يمثل السواد الأعظم من الأمة الإسلامية، فيما الحوثي الذي للتو انسلخ من زيديته (اليمنية) المعتدلة، يمثل رأس الحربة التي تحاول ضرب الأمة في ثوابتها، وهذا ما جعله وسيجعله فصيلا غريبا على اليمنيين جميعا بكل طوائفهم ومعتقداتهم؛ وأولها الزيدية المعتدلة والحاضرة في المشهد اليمني منذ مئات السنين، وثانيها الشوافع كجزء من الأمة السنية المتسامحة؛ بأكثريتها الجلية في اليمن وفي الإقليم.