راجع «الفار».. قبل صافرة النهاية
الأحد، ١١ أكتوبر ٢٠٢٦
أطلق حكم المباراة صافرته معلنا عن خطأ، ثم رفع البطاقة الحمراء في وجه مدافع الفريق، واحتسب ضربة جزاء للفريق المنافس. احتج اللاعب وزملاؤه، وتدخل الطاقم الإداري، وسادت الفوضى لدقائق، لكن القرار نافذ؛ هكذا تقضي قوانين اللعبة.
لم يتوقف أثر القرار عند طرد اللاعب واحتساب ضربة الجزاء؛ فقد سجل منها الفريق المنافس، وأكمل الفريق المتضرر المباراة منقوصا، قبل أن تنتهي المواجهة بهزيمته. كل ذلك بدأ من زاوية رؤية لم تكن كافية للحكم الصحيح على الموقف.
رأى كثير من المشاهدين أن ظلما وقع على اللاعب وفريقه؛ فاللقطات التلفزيونية أظهرت أن ما رآه الحكم لم يكن الصورة كاملة. لم تكن المشكلة في نزاهته، وإنما في زاوية الرؤية؛ فقد اتخذ قراره بناء على ما استطاعت عيناه التقاطه في لحظة سريعة.
كانت الأخطاء التحكيمية إلى وقت قريب مثار جدل في كرة القدم، حتى أتاحت التقنية وسيلة لمراجعة القرارات المؤثرة، حين ظهر حكم الفيديو المساعد «VAR»، اختصارا لـ«Video Assistant Referee»، الذي استخدم في كأس العالم للمرة الأولى عام 2018. ومنحت هذه التقنية الحكام فرصة لمراجعة بعض القرارات من زوايا متعددة، بما يقلل أثر الخطأ البشري ويحقق قدرا أكبر من العدالة.
وإذا كانت كرة القدم قد احتاجت إلى «VAR» لتقليل أخطاء الحكام، فإن علاقاتنا الإنسانية أحوج إلى فكرته؛ فكثيرا ما نرى موقفا من زاوية واحدة، أو نسمع رواية من طرف واحد، ثم نبني عليها موقفا قد لا يكون منصفا. وهنا نحتاج إلى «فار العلاقات»؛ فنتوقف قبل الحكم، ونمنح أنفسنا فرصة لرؤية الأمر بشكل أفضل، ونتثبت من الحقيقة قبل أن نتخذ موقفا من الآخرين.
وقد علمنا النبي ﷺ هذا المعنى قبل قرون؛ فعندما قتل أسامة بن زيد رجلا نطق بالشهادة، ظنا منه أنه قالها خوفا من السيف، أنكر عليه النبي ﷺ وقال «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟». درس بالغ الدلالة في أن ما نراه أو نظنه لا يكفي دائما لإصدار الحكم، فقد نرى جانبا من الموقف، وتغيب عنا جوانب أخرى قد تغير حكمنا عليه.
كم مرة سمعنا ما يسوءنا عن صديق، أو نقل إلينا كلام عن زميل أو قريب أو جار، أو رأينا تصرفا يحتمل أكثر من تفسير، فتشكلت لدينا قناعة من رواية ناقصة أو كلمة نقلت خارج سياقها؟ صديق خسر صديقه، وقريب أورثه سوء الفهم جفوة، وربما قطيعة رحم، ومدير أو مسؤول عاقب أحد مرؤوسيه أو هضمه حقا بينا، اعتمادا على رواية لم تكتمل أو حكم متعجل. مع أن القرآن جاء بقاعدة واضحة في مثل هذه المواقف: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾.
تصحح تقنية «الفار» في الملعب قرار حكم أخطأ أول الأمر، أما في الحياة فقد لا يكون تصحيح الخطأ بهذه السهولة؛ فالاستعجال قد يقود إلى الخطأ، والخطأ حين يمس حقا، أو يسيء إلى سمعة، أو يهدم علاقة، قد يتحول إلى ظلم. وهنا تكمن فداحة الأمر؛ لأن إنسانا قد يدفع ثمن قرار أصدرناه قبل أن نسمع منه أو نرى الصورة كاملة.
وقد لخص الشاعر هذا المعنى بقوله:
تأن ولا تعجل بلومك صاحبا
لعل له عذرا وأنت تلوم
نعم، قد تبدأ القصة بكلمة، ويتبعها ظن، ثم يصدر الحكم، وربما ينتهي الأمر بظلم لا يمحوه اعتذار. تأن قبل أن تحكم، واسمع قبل أن تدين؛ فليس لكل خطأ في الحياة صافرة تعيده، ولا لكل ظلم «فار» يصححه.
لم يتوقف أثر القرار عند طرد اللاعب واحتساب ضربة الجزاء؛ فقد سجل منها الفريق المنافس، وأكمل الفريق المتضرر المباراة منقوصا، قبل أن تنتهي المواجهة بهزيمته. كل ذلك بدأ من زاوية رؤية لم تكن كافية للحكم الصحيح على الموقف.
رأى كثير من المشاهدين أن ظلما وقع على اللاعب وفريقه؛ فاللقطات التلفزيونية أظهرت أن ما رآه الحكم لم يكن الصورة كاملة. لم تكن المشكلة في نزاهته، وإنما في زاوية الرؤية؛ فقد اتخذ قراره بناء على ما استطاعت عيناه التقاطه في لحظة سريعة.
كانت الأخطاء التحكيمية إلى وقت قريب مثار جدل في كرة القدم، حتى أتاحت التقنية وسيلة لمراجعة القرارات المؤثرة، حين ظهر حكم الفيديو المساعد «VAR»، اختصارا لـ«Video Assistant Referee»، الذي استخدم في كأس العالم للمرة الأولى عام 2018. ومنحت هذه التقنية الحكام فرصة لمراجعة بعض القرارات من زوايا متعددة، بما يقلل أثر الخطأ البشري ويحقق قدرا أكبر من العدالة.
وإذا كانت كرة القدم قد احتاجت إلى «VAR» لتقليل أخطاء الحكام، فإن علاقاتنا الإنسانية أحوج إلى فكرته؛ فكثيرا ما نرى موقفا من زاوية واحدة، أو نسمع رواية من طرف واحد، ثم نبني عليها موقفا قد لا يكون منصفا. وهنا نحتاج إلى «فار العلاقات»؛ فنتوقف قبل الحكم، ونمنح أنفسنا فرصة لرؤية الأمر بشكل أفضل، ونتثبت من الحقيقة قبل أن نتخذ موقفا من الآخرين.
وقد علمنا النبي ﷺ هذا المعنى قبل قرون؛ فعندما قتل أسامة بن زيد رجلا نطق بالشهادة، ظنا منه أنه قالها خوفا من السيف، أنكر عليه النبي ﷺ وقال «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟». درس بالغ الدلالة في أن ما نراه أو نظنه لا يكفي دائما لإصدار الحكم، فقد نرى جانبا من الموقف، وتغيب عنا جوانب أخرى قد تغير حكمنا عليه.
كم مرة سمعنا ما يسوءنا عن صديق، أو نقل إلينا كلام عن زميل أو قريب أو جار، أو رأينا تصرفا يحتمل أكثر من تفسير، فتشكلت لدينا قناعة من رواية ناقصة أو كلمة نقلت خارج سياقها؟ صديق خسر صديقه، وقريب أورثه سوء الفهم جفوة، وربما قطيعة رحم، ومدير أو مسؤول عاقب أحد مرؤوسيه أو هضمه حقا بينا، اعتمادا على رواية لم تكتمل أو حكم متعجل. مع أن القرآن جاء بقاعدة واضحة في مثل هذه المواقف: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾.
تصحح تقنية «الفار» في الملعب قرار حكم أخطأ أول الأمر، أما في الحياة فقد لا يكون تصحيح الخطأ بهذه السهولة؛ فالاستعجال قد يقود إلى الخطأ، والخطأ حين يمس حقا، أو يسيء إلى سمعة، أو يهدم علاقة، قد يتحول إلى ظلم. وهنا تكمن فداحة الأمر؛ لأن إنسانا قد يدفع ثمن قرار أصدرناه قبل أن نسمع منه أو نرى الصورة كاملة.
وقد لخص الشاعر هذا المعنى بقوله:
تأن ولا تعجل بلومك صاحبا
لعل له عذرا وأنت تلوم
نعم، قد تبدأ القصة بكلمة، ويتبعها ظن، ثم يصدر الحكم، وربما ينتهي الأمر بظلم لا يمحوه اعتذار. تأن قبل أن تحكم، واسمع قبل أن تدين؛ فليس لكل خطأ في الحياة صافرة تعيده، ولا لكل ظلم «فار» يصححه.